السكوت والسلطة وإشكالية التجاوز

أحمد اليعربي | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في إحدى مشاهد أفلام الفنان السوري دريد لحام، يظهر "غوار" في غرفة التحقيق، ويسأله المحقق (ياسر العظمة) بكل جلافه: "بماذا تحدثت في دكانة أبو نارا؟"، فيجيب غوار: "لم أقل شيئاً، كنت ساكتاً، ومن كان معي يشهد بذلك"، فيرد عليه المحقق: "أها، هنا مكمن الخطورة!، من كان معك تحدث فعرفنا ما يدور في بالهم، أما أنت لم تتحدث فلم نعرف ما يدور في بالك، وبالتالي أنت أشد خطورة منهم"، وهنا يرد عليه غوار بعبارته الشهيرة: "هلق إذا الواحد حكى ما بيخلص، وإذا ما حكى كمان ما بيخلص!". لله ما أشد راهنية هذه العبارة بالوضع الحقوقي في السعودية.

إن هذا المشهد في إحدى جوانبه يعبر عن نباهة السلطة من حيث إدراكها للشيء الخارج عن سلطتها بمقتضى حقيقة أن هذا الشي غير معبر عنه، فهي تدرك وجوده، إلا أن هذا الشيء كدنانير المتنبي التي تفر من البنان، وهذا الأمر غالباً ما يشكل عنصر استفزاز قوي للسلطة لا سيما وأنه سهل ممتنع بالنسبة لها. 

إن نباهة السلطة المشار إليها لا ينبغي أن تفسر بأنها أمر إيجابي، ومن باب أولى لا ينبغي أن تفسر بأنها شرعنة لهذا الاستقصاء الغير الجائز أساساً، بل إن هذه الملاحظة تفيدنا في فتح النقاش حول نوع آخر من السلطة التي لا تفطن أو حتى تكترث، بصورة أصيلة، بالمسكوت عنه لا سيما وإن كان هذا المسكوت عنه من الممكن أن يكون وبالاً على مجموع الشعب في حال أن الظروف العامة تغيرت ليتحول هذا المسكوت عنه إلى مفصح عنه من موقع السلطة.

والنقطة الأهم في هذا السياق هي أنه لا يجب أن يفهم من هذه الملاحظة أنها بمثابة "استقصاء غير جائز" من نوع آخر لهذا المسكوت عنه، ذلك أننا نضع في الاعتبار أن هذا المسكوت عنه تم السكوت عنه ابتداءً بمقتضى فعل السلطة والخوف منها، وغياب القدرة على التعبير الحر في الفضاء العام، وبالتالي يؤدي ذلك إلى إنسحاب عدداً من الأفكار/الأطروحات عن دائرة الضوء، والجمود في منطقة الظل، وبالتالي، فإن هذه المسكوت عنه هو ضحية بصورة من الصور.

إن توصيف "الجمود" لهذا المسكوت عنه يأتي على الضد من مفهوم التجاوز؛ ذلك أن هذا الجمود، وعدم القدرة على تداول هذا المسكوت عنه، وإنشاء حوار جاد وحر بشأنه، يؤدي بالضرورة إلى إنعدام القدرة على التجاوز، ومكمن الخطورة أن هذا الجمود يؤدي إلى انسداد لعملية لا بد أن تتم، وفي حال تمت هذه العملية في وقت متأخر، سيكون للعملية كلفتها، وفي حال تمت العملية في الوقت الخاطيء، أي الوقت الذي يكون هذا الخاطب المسكوت عنه في موضع السلطة، سيكون لهذه العملية كلفة أكبر بكثير من أي وقت مضى.

من ضمن أكثر الأمثلة وضوحاً في السياق العربي لهذه المسألة، هو المثال المتعلق بالتيارات أو الجماعات الدينية، ولا أريد من هذا التحليل أن يكون بمثابة صوت آخر في تقليعة النقد التي توجه إلى التيارات والجماعات الإسلامية في زمن ضعفهم، فهذا التحليل لا يتعامل معهم وكأنهم الشر المحض، بل يروم أكثر ما يروم معرفة السياق التي تجري فيه هذا العملية بما هي عليه، بدون نثر توصيفات واستنتاجات إقصائية في طبيعتها.

في نهاية عام 2018 قام الناقد العماني الحصيف سعود الزدجالي بنشر كتاب بعنوان "تبرير السياسة بالدين عند نورالدين السالمي 1866 -1914"، والكتاب عبارة عن دراسة نقدية للخطاب المتضمن في كتاب السالمي المسمى "الحق الجلي من سيرة شيخنا صالح بن علي"، وصالح بن علي الحارثي (ت: 1896) هو أحد الشخصيات المبرزة في التاريخ العماني نظراً لأدواره السياسية ولمكانته الدينية في المذهب الإباضي وقتئذ، فقد نجح صالح بن علي بالتعاون مع شيوخ مبرزين في المذهب الإباضي مثل سعيد بن خلفان الخليلي ومحمد بن راشد الغاربي بالقيام بثورة على السلطان سالم بن ثويني البوسعيدي، وتنصيب عزان بن قيس إماماً على عمان وفقاً للأعراف والتقاليد السياسية المتبعه في المذهب الإباضي عام 1868، إلا أن إمامة عزان لم تستمر كثيراً وتم الإنقلاب عليها من سلطان مسقط، وأدى ذلك إلى مقتل الإمام شخصياً وسعيد بن خلفان الخليلي ومحمد الغاربي.

في حين لم يتمكن السلطان من صالح بن علي الحارثي، الذي واصل عملياته ضد السلطان، بالإضافة إلى قيامه بدور المحتسب في تسيير شؤون الناس العامة في المناطق التابعه له، وخلال فترة ما بعد إمامة عزان، برزت الكثير من المآخذ على عدد من التصرفات التي قام بها صالح بن علي، وكرد على المآخذ، ودفاعاً عن شيخه، قام نورالدين السالمين، بتأليف كتاب "الحق الجلي" الذي أشرنا إليه.

إن الأطروحة المركزية لكتاب سعود الزدجالي هي أن كتاب "الحق الجلي" هو "نص ينتمي للخطابات السياسية لترويج مقولة دينية ويوتوبية وأيدلوجية لا تقل خطورة عن خطابات الإسلام السياسي الراهن"، ويقوم مؤلف الحق الجلي بموجب هذا الخطاب "بتبرير الفعل السياسي تبريراً دينياً عبر علاقات السببية، والإقتضاء، والإستنتاج، والتماثل".

لقد أثار كتاب سعود الزدجالي الكثير من الضجة لدى الأوساط الإباضية المحافظة، بدءً من صورة الغلاف التي أضطر المؤلف والناشر إلى حذفها من الغلاف أساساً قبل الشروع في طباعة الكتاب، التي كانت عبارة عن رسمة لرجل بالزي الإباضي المحافظ، انتهاءً إلى موضوع الكتاب، الذي رأت فيه الأوساط المحافظة تعدياً على رموز المذهب.  

لقد اتسم كتاب سعود بالجرأة، والاتساق، ودقة في التحليلات، ويمكن توصيفه بأنه مربك جداً، وفيه زعزعة عنيفة لأساسات المنتمين للمذهب الإباضي من حيث هو آيدلوجية (وليس من حيث كونه إنتماء ثقافي)، وعلاوة على ذلك، فإن هذه الدراسة من الدراسات النقدية القليلة الجادة والتي يتوسل فيها الباحث مناهج نقدية متقدمة، وهذه المسألة مهمة من حيث أنها تلعب دوراً مهماً في إيقاض المؤمنين بالمذهب من حيث هو آيدلوجيا ويوتيوبيا من "سباتهم الدغمائي"، فهذه المناهج النقدية ستشعرهم بنوع من العجز، ونوع من التخلف أمامها، وتشعرهم أيضاً إلى ضرورة نزع سحر اليوتوبيا والآيدلوجيا عن التراث الإباضي لاسيما السياسي منه، ذلك أن مثل هذه المراجعة الداخلية ضرورية للتجاوز، وإلا فإن كل هذه الأفكار والرؤى والنظريات والأعراف ستظل مجمدة ومحفوظة كما هي، والجميع يعلم علم اليقين بأنها موجودة، وأنها فيما لو فتحت في "الوقت الخاطىء"، فإنها لن تكون إلا كما صندوق بندورا، والحق أن الحاجة أشد ما تكون إلى نوع من الرشد، تسمح بإخراج هذا الأفكار والرؤى إلى دائرة النور، وتدشين حوار صادق وحر بشأنها، بهدف خلق إمكانية للتجاوز، وهذه التجاوز لا يعني بالضرورة إلغاء هذه التصورات/الأفكار/التقاليد/الأعراف.

والملاحظة الأخيرة في هذا السياق تتعلق باستقبال السلطة لمثل هذا النقد، فعلى اعتبار أن السلطة ذكية في كثير من اللحظات التي نحسب فيها بأنها غبية، فأرى بأن هذه النقد مهم للسلطة ويصب في مصلحتها من "منظور قصير المدى" فقط، فالتبرير لفكرة الإحتساب/الإمامة، وحقيقة كونها إيدلوجيا سياسية ويوتوبيا تتحين فرصها عند المؤمنين بها، تشكل مزاحمة للسلطة في شرعيتها، ومنافس ينتظر فرصته، وبالتالي، يمكن تلخيص هذا الأمر في مقولة: "عدو عدوي صديقي".

فكرة الإمامة في المخيال الجمعي الإباضي فكرة متعالية مقدسة، ترتبط وتتماهى بشكل مطلق مع فكرة العدالة المطلقة والخير المحض، وما كتاب "تبرير السياسة بالدين" إلا محاولة جادة لتقويض هذه الصورة/الفكرة وإرجاعها إلى "تاريخيتها".