دعوات لإسقاطه... لهذا دافع أخنوش عن مصالح شركته داخل برلمان المغرب

“رئيس الحكومة يهدد استقرار الدولة ككل”
لم يكن رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، يتوقع أن تخلق تصريحات أدلى بها داخل البرلمان جدلا واسعا في البلاد، بل ودعوات لاستقالته من منصبه، بسبب تضارب المصالح.
وأعلن أخنوش خلال جلسته الشهرية بمجلس النواب، في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2024، فوزه “بكل شفافية” بصفقة إنشاء أكبر محطة لتحلية مياه البحر في إفريقيا، والتي ستقام في مدينة الدار البيضاء.
غضب شعبي
الصفقة التي آلت لصالح مجموعة "أكوا" (مالكها أخنوش) من خلال شركات "إفريقيا غاز" و"ڭرين أوف إفريقيا" بالتعاون مع الشركة الإسبانية "أكسيونا"، قال عنها أخنوش إنها “قدمت أفضل عرض وأقل ثمن بين باقي المتنافسين الذين تقدموا للحصول عليها”.
وشدد أخنوش في مداخلته على أن “الصفقة والاستثمار فيه مخاطرة كبيرة، خاصة أن الفائز بالصفقة سيضخ 650 مليون دولار بشكل مباشر لإنجاز المشروع، دون الحصول على أي دعم عمومي”، واصفا من ينكر هذا بأنهم "يكذبون".
في المقابل، دعا عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المعارض، ورئيس الحكومة الأسبق، أخنوش إلى الاستقالة، واصفا ما يقوم به من تضارب للمصالح واستغلال للسلطة بـ"العار والمخزي".
وشدد ابن كيران خلال ندوة صحفية عقدها حزبه للرد على أخنوش، في 18 ديسمبر بالرباط، على أن رئيس الحكومة "يهدد استقرار الدولة ككل، عبر إفقاد ثقة المواطنين الحكومة والبرلمان والمؤسسات”.
ونبه إلى أن استحواذ أخنوش على صفقة تحلية المياه “تبعث برسائل جد سلبية للمستثمرين، سواء المغاربة أو الأجانب، وستؤدي إلى رحيلهم وعدم الاستثمار بالمغرب، مما تكون له نتائج اقتصادية جد كبيرة”، مؤكدا أن هذا "لا يليق وغير مقبول".
ونبه ابن كيران إلى أن رئيس الحكومة يجب أن يتحلى بأعلى درجات النزاهة والاستقامة في التعامل مع المال العام، ويرى أن “أخنوش لا يقوم بهذا، بل إن دوره تخريبي، مما يستدعي تكاتف الجهود لأجل استبداله وإسقاطه، لأن الوضع وصل إلى مستويات خطيرة من استغلال مناصب المسؤولية”.
عدد كبير من السياسيين والناشطين عبروا عن انتقادهم الشديد لما ورد على لسان رئيس الحكومة، محذرين من تبعات الاستمرار في هذا النهج.
وفي هذا الصدد، قال البرلماني عبد الصمد حيكر، إن “ما جرى بالجلسة فضيحة مجلجلة، حيث خاطب أخنوش أعضاء مجلس النواب بصفته مقاولا وليس رئيسا للحكومة”.
وشدد حيكر في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، في 16 ديسمبر، أن “أخنوش سقط في كبيرة سياسية تتعلق بالوقوع المفضوح في تضارب المصالح بمناسبة فوز إحدى شركاته بإنجاز واستغلال محطة تحلية المياه بالدار البيضاء التي فاز بها”.
والأنكى من ذلك، يردف نائب عمدة الدار البيضاء السابق، أن "رئيس الحكومة لم يتورع خلال الأيام القليلة الماضية عن إعداد ملف يلتمس من خلاله طلب الدعم من الدولة، لإنجاز هذه المحطة، وعرضه على أنظار لجنة وطنية هو من يترأسها".
وأكد حيكر أن رئيس الحكومة “كان حريا به ألا يتقدم أصلا للتنافس على هذه الصفقة، وأن يترك للمقاولات فرصة التنافس الحر، وأن لا يتقدم بطلب الدعم، لأن هذه هي أخلاقيات تدبير الشأن العام”.
من جانبه، قال عبد اللطيف سودو، نائب عمدة مدينة سلا السابق، ورئيس جمعية مهندسي العدالة والتنمية، إن “اعتراف أخنوش بفوزه بالصفقة من داخل البرلمان يستوجب منه تقديم استقالته”.
وأضاف سودو في تدوينة عبر فيسبوك، "لأنه لا يمكن لرئيس الحكومة أن يفوز بصفقات عمومية، فهناك تضارب المصالح، ولأن رئيس الحكومة هو رئيس الإدارة العمومية التي قامت بدراسة طلبات العروض وحسمت فيها".
من جانبه، قال الناشط الإعلامي والسياسي عبد المنعم بيدوري، إن رئيس الحكومة أعلن بعد تعيينه من لدن الملك محمد السادس، وعبر بلاغ رسمي، الشروع في خطوات الانسحاب التام من جميع مناصب التسيير داخل "الهولدينغ" العائلي"، في 13 سبتمبر/أيلول 2021.
وأضاف بيدوري في تدوينة عبر فيسبوك في 17 ديسمبر، أن “اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات يدافع أخنوش ومن قبة البرلمان على فوز شركته بأغلى صفقة تحلية مياه في المغرب”.
فضيحة تاريخية
تعليقا على الحدث، أكد الأستاذ الجامعي وعضو لجنة المالية بمجلس النواب السابق، عبد العزيز أفتاتي، أن ما وقع أثناء الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة، هو حلقة جديدة في مسلسل فضائح "الكمبرادور" (تحالف البورجوازية مع رأس المال الأجنبي للاستيلاء على السوق الوطنية) المدوية، وفق تعبيره.
وقال أفتاتي لـ"الاستقلال"، إن "هذا يثبت أن استمراره محصنا من أي مساءلة مؤسساتية من المجالس الدستورية المختصة أو برلمانية بواسطة تقصي حقائق أو لجان استطلاعية، هو أساسا لضمان استمرار انقلاب انتخابات 8 سبتمبر 2021 الذي يشكل رأسه التنفيذي".
وأضاف "إذ لو كنا في وضعية عادية لكانت واحدة من فضائحه كافية للعصف به وبما يرمز إليه ويمثله من كارتيلات الرأسمال الكبير والريعي المهددة للمصالح الحيوية للمغاربة".
وشدد أفتاتي على أن "الناظر في حالة رئيس الحكومة خلال الجلسة يكتشف كائنا تائها ومنهارا، يتلو بعض الخزعبلات السياسية المكتوبة له، ولكن في وضعية تلبس فاقعة، حيث أثبت أمام العالمين أنه كان يتابع صفقة تحلية المياه الشهيرة".
وعليه- يردف المتحدث ذاته- فإن ما تورط فيه بزعم "الدفاع" عن الدولة، يفضح ما يعرفه كل من جاوره في الإدارات والأعمال، من ارتجاف واستماتة في متابعة أي صغيرة وكبيرة مرتبطة بنشاطات أعماله المختلفة من موقعه في الحكومة.
وتابع: “وهو ما أثبته بالبرلمان بعظمة لسانه، بحيث أفاد بأنه تابع مجريات الصفقة (القارونية) في التحلية والتي ستتبعها بيع المياه المحلاة لإنتاج الطاقة الهيدروجينية، مما سيشبك هذه الصفقة إلى صفقات طويلة الأمد لأغراض توفير المياه، وكذا الطاقة التي ستباع للمواطنين الكادحين لعقود”.
ورأى أفتاتي أن “محاولة أخنوش حشر وزير التجهيز والماء في المسألة، من حيث إنه هو المشرف على القطاع الذي أعلن الصفقة، ما هو إلا تدليس وتضليل”، مشددا أن "هذا المعطى يوضح جشعه المفرط والذي لا حدود له".
وأكد أن “أخنوش لو كان يمتلك ذرة حياء لطالب بنفسه، حين اهتز الرأي العام لهذه البشاعة، بتشكيل لجنة تقصي الحقائق أو لجنة استطلاعية بخصوص هذه الصفقة الكارثية المشبوهة بكل المقاييس”.
ورأى أفتاتي أن “هذا بالطبع يضرب القانون التنظيمي 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة بعرض الحائط، ويثبت مجددا تورطه المخزي وحتى أخمص قدميه في تنازع المصالح، وحصوله على ثروة خيالية عبر صفقة التحلية، ومن إدارة هو رئيسها في نفس الوقت”.
بدوره، أكد المحامي وعضو لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب السابق، رضا بوكمازي، أن “ما صرح به أخنوش بالبرلمان، فضيحة سياسية وأخلاقية أخرى، تقتضي في الدول التي تحترم نفسها أن يقدم رئيس الحكومة استقالته، أو يُغلق البرلمان”.
وذكر بوكمازي لـ"الاستقلال"، أن “أخنوش كشف عما سبق أن نبهنا له باستمرار، من خطورة الجمع بين المال والسلطة على الدولة والمجتمع، وكشف عن حقيقة الوجه الذي حاول مرارا أن يخفيه حينما جعل موقع رئاسة الحكومة خادما لموقعه كمدير عام لمجموعة اقتصادية”.
واسترسل، “أخنوش الذي يفترض فيه أن يحترم موقع رئاسة الحكومة ويحترم منصة مجلس النواب وجلسة المساءلة الدستورية، جعل من تلك المنصة منبرا ليدافع من خلالها عن شركته وعن أحقيتها في الفوز بصفقة تحلية مياه الدار البيضاء، وعن حجم الاستثمار الذي خصصه لها”.
وتابع بوكمازي: “هذا الامتياز الذي منحه أخنوش التاجر لنفسه هل سيمنحه مجلس النواب لباقي المنافسين، من أجل تقديم عروضهم ويطرحون الأسباب التي لم تجعلهم يظفرون بهذه الصفقة الكبرى؟”
وأردف: “أخنوش يقول لجميع التجار والمقاولين إن الدفاع عن المصالح الخاصة والحصول على الصفقات الكبرى يمر عبر تحمل المسؤولية العمومية، وأن من أراد أن يظفر بصفقة عمومية أو دعم عمومي عليه بالطريق السالك التي يفتحها الموقع العمومي خدمة للمصالح الخاصة”.
وشدد المتحدث ذاته على أن "أخنوش يخرق كل القواعد والأعراف التي تراكمت في احترام مكانة رئاسة الحكومة وموقعها في البناء الدستوري، ويسعى إلى جعل هذا الموقع في مستوياته الدنيا".
وأضاف بوكمازي، "كما يسعى إلى أن يسهم في المزيد من اليأس وفقدان الثقة، لأنه امتلك خارطة طريق الوصول لمواقع المسؤولية، واقتنع أنه كلما انتشر اليأس وهجر الناس السياسة كانت كلفة وصوله وأمثاله إلى مواقع المسؤولية أيسر، مثله في ذلك كمثل التاجر الذي يستثمر برأسمال قليل ويسعى إلى تحقيق ربح غير متناهٍ".
استغلال فج
أما الكاتب الصحفي يونس مسكين، فقال إن صورة اعتلاء رئيس الحكومة لمنصة البرلمان ليدافع عن شركاته، "واحدة من أكثر الصور جلبا للعار والخزي".
ورأى مسكين في افتتاحية موقع “صوت المغرب” في 17 ديسمبر، أن "رئيس الحكومة لم يظهر كرجل سياسة يخضع للمساءلة، بل كمدافع عن إمبراطورية اقتصادية تعود له، محاولا التوفيق بين موقعه كصاحب سلطة سياسية وكفاعل اقتصادي مستفيد من صفقة تحلية مياه البحر الضخمة بالدار البيضاء".
وشدد على أنه "عندما يصبح رئيس الحكومة مشاركا رئيسا في صفقة تديرها حكومته نفسها، فإن الحديث عن الشفافية يبدو أقرب إلى التهكم منه إلى الواقع".
فيما أكد رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، أن “هذه الصفقة التي فاز بها رئيس الحكومة تطرح نقاشا دستوريا وسياسيا وأخلاقيا، منطلقه الفصل 36 من الدستور ومقتضيات الفصل 245 من القانون الجنائي، فضلا عن ميثاق الأخلاقيات التي دعا الملك البرلمان إلى سنها”.
وشدد الغلوسي في تدوينة على “فيسبوك” في 19 ديسمبر، على أن “المساواة التي تحدث عنها أخنوش لا يمكن أن تتحقق إذا كان الشخص هو المسؤول عن الإدارة وهو رئيسها وهو نفسه الذي يحتل مواقع الامتياز والسلطة، وهو نفسه الذي يتوفر على إمكانية وسلطة التشريع”.
واسترسل: “ورغم ذلك لم يبادر إلى إخراج القانون الذي يجرم تنازع المصالح انسجاما مع الفصل 36 من الدستور، وهو الفصل نفسه الذي يفرض على السلطات العمومية وضمنها طبعا الحكومة ورئيسها الوقاية من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها”.
ورأى الغلوسي أن "ما يجرى هو ممارسة لا علاقة لها بالمساواة بين المتنافسين في الوصول إلى الصفقات العمومية، لأنها تجسيد فج لزواج السلطة بالمال، واستغلال واضح لمواقع الامتياز والسلطة".
كما كتب الصحفي توفيق بوعشرين مقالا تفاعليا مع حدث اعتراف أخنوش أمام البرلمان بأن شركته استحوذت على أكبر صفقة عمومية لتحلية ماء البحر بقيمة مليار و600 مليون دولار.
وأضاف بوعشرين، في مقال نشره عبر فيسبوك، في 19 ديسمبر، “كما ضمنت شركته الجديدة لنفسها 50 هكتارا من الأراضي بالمجان، وتخفيضا ضريبيا استثنائيا، ودعما عموميا سخيا، وعقدا مع الدولة لشراء الماء المحلي لمدة 30 سنة بلا انقطاع”.
وقال إن أخنوش "يكفر" بشيء اسمه تضارب المصالح، مشددا على أن الحديث عن الدستور أو مقتضيات القانون أو مدونة الأخلاق، هو قاموس غريب عليه".
واسترسل متهكما: “أخنوش لم يأخذ علما بأن الدستور الجديد يمنع تضارب المصالح، لأنه، كرجل أعمال، يخلط السياسة بالبزنس منذ زمن سابق على دستور 2011، كما أن غياب المحاسبة والمراقبة في البلاد، سواء مراقبة المؤسسات أو مراقبة الإعلام أو مراقبة البرلمان، يجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة جملة إنشائية ركيكة وبلا معنى في عرف أخنوش”.
وزاد: "كما أن المصالح في عُرف أخنوش لا تتضارب ولا تتنازع، ودائما ما تجد طريقا للوئام".
ونبه بوعشرين إلى أن “أخنوش سجل اسمه في التاريخ كأقوى رئيس حكومة في كل تاريخ المغرب. حيث استطاع أن يشارك في الحكومة الواحدة بحزبين (الأحرار وحزب الشركة)، واستطاع بماله وعلاقاته أن يبسط سلطته على الحكومة، والبرلمان، والجهات، والبلديات، ومؤسسات الحكامة، والمواقع الحساسة في الإدارة مستغلا ظروف المرحلة”.