"صك براءة لجرائمه".. ماذا يعني حضور الأسد قمة المناخ في الإمارات؟

في وقت سيجتمع فيه العشرات من زعماء العالم في إمارة دبي بداية ديسمبر/كانون الأول 2023 لمعالجة أزمة المناخ المتصاعدة، بدأت بعض الأصوات بالارتفاع معترضة على دعوة رئيس النظام السوري بشار الأسد لحضور المؤتمر الدولي.
وتسلم الأسد في منتصف مايو/أيار 2023 دعوة من الإمارات للمشاركة في مؤتمر الأطراف حول المناخ "كوب 28" الذي تنظمه الأمم المتحدة وينعقد في دبي خلال الفترة من 30 نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 12 ديسمبر من العام المذكور.
دعوات للعزل
والقمة هي جزء "رفيع المستوى" من مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين لتغير المناخ، والذي يعقد برئاسة الإمارات التي تعد أشد دولة عربية قربا من نظام الأسد ودعما لإعادة تعويمه عربيا ودوليا رغم قتله أكثر من 300 ألف سوري وتشريد نصف الشعب البالغ عدده 23 مليون نسمة منذ عام 2011.
ولهذا قال السيناتور الجمهوري بمجلس الشيوخ الأميركي، جيم ريتش، إن العالم يراقب ما إذا كان رئيس النظام السوري سيحضر قمة المناخ "كوب 28" في الإمارات "بعد جرائم الحرب التي ارتكبها والمذكرة الفرنسية باعتقاله".
وأضاف عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، عبر منشور له على حسابه بمنصة "إكس" في 20 نوفمبر 2023 أنه "بدلا من توجيه الدعوات يجب على الجميع الاستمرار في عزل هذا القاتل ومحاسبته على فظائعه".
وأصدرت محكمة فرنسية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عن قضاة تحقيق من وحدة الجرائم ضد الإنسانية التابعة لمحكمة في باريس، مذكرة توقيف دولية بحق بشار الأسد، لثبوت استخدامه الأسلحة الكيماوية المحظورة ضد المدنيين في مدينة دوما ومنطقة الغوطة الشرقية عام 2013، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1000 شخص.
كما دعا تقرير أعده قاض سابق في المحكمة الجنائية الدولية وهو السير هوارد موريسون، لإلغاء دعوة الأسد، لحضور قمة المناخ "كوب 28" في الإمارات، مؤكدا أنه "مسؤول عن كارثة بيئية وإنسانية واضحة ومستمرة في سوريا".
وقال القاضي السابق في الجنائية الدولية، وفق ما نقلت قناة "سكاي نيوز" البريطانية في 8 نوفمبر 2023 إن الأسد "مسؤول عن الدمار الشامل والأضرار التي لحقت بالبيئة" في سوريا، من خلال الهجمات التي شنتها قواته، وحملات القصف واستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب المستمرة منذ سنوات في سوريا.
وبناء على طلب مجموعة من السوريين، أعد موريسون تقريرا عن الانتهاكات البيئية المرتكبة في سوريا.
وقال التقرير إن "تدمير الأسد للمدن أدى إلى تراكم أنقاض النزاع على نطاق واسع، والتي يمكن أن تحتوي على مواد خطرة تشكل مخاطر بيئية، في حين تسببت الهجمات على صناعة النفط في سوريا بحرائق وتسربات دمرت مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة وأراضي الرعي وقتلت الماشية".
ووفق التقرير، فإن "حرائق النفط وتسرباته كان لها تأثير خطير على صحة السوريين، بما في ذلك زيادة أمراض الجهاز التنفسي، في حين أبلغت النساء عن تعرضهن لإجهاض متكرر بعد تسرب النفط".
وذكر أن المياه تُستخدم في سوريا "كسلاح حرب"، موضحا أن "عدم حصول السوريين على مياه آمنة ونظيفة يؤدي إلى مشكلات صحية لا تعد ولا تحصى، في حين أن الأضرار التي لحقت بأنظمة الصرف الصحي للمياه أدت إلى تلويث المياه الجوفية".
تجاهل لتضحيات السوريين
ودعا ناشطون سوريون، بينهم المخرجة السورية وعد الخطيب، الإمارات، إلى إلغاء دعوة الأسد لحضور مؤتمر المناخ، عبر رسالة خارج ملعب مانشيستر سيتي لكرة القدم.
واستغل هؤلاء الناشطون السوريون في 4 نوفمبر 2023، تحضير مانشستر سيتي للعب على أرضه أمام نادي بورنموث، لنقل رسالة فيديو من المخرجة السورية الحائزة على عدة جوائز إلى ملعب مانشستر سيتي، المملوك لنائب رئيس وزراء الإمارات، دعت فيه إلى إلغاء دعوة الأسد لحضور محادثات المناخ.
وطالبت الرسالة الإمارات وقادة العالم بسحب الدعوة الموجهة للأسد ومنعه من حضور مؤتمره الدولي الأول منذ 12 عاما، والذي يساعد في إعادة تأهيل النظام، رغم عقود من الفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان بحق السوريين.
وقالت الرسالة إن "الدعوة لحضور الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف المنعقدة في الإمارات، مهمة، لأنها تقول للعالم ولضحايا الأسد وعائلاتهم، إن معاناتهم ليست مهمة".
وأضافت الخطيب في رسالتها: "إنها تبعث برسالة مفادها أن الفظائع الجماعية ستمر دون عقاب وسيتم التغاضي عنها، بل سيتم التسامح معها".
ومن المقرر أن يحضر قمة المناخ عدد من الرؤساء الذين ينتقدون سياسات النظام السوري، وعلى رأسهم الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون.
ومع ذلك سيكون من بين الحضور الأكثر إثارة للجدل الأسد، الذي زار الإمارات مرتين الأولى عام 2022 والثانية في 2023، حيث يشكل وجوده في مؤتمر المناخ صفعة للمنادين بحقوق الإنسان كونه أشرف منذ عام 2011 على حرب طاحنة ووحشية ومستمرة ضد السوريين، وارتكبت قواته بأوامر منه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تعد ولا تحصى.
حضور محرج
وضمن هذه الجزئية، قال رئيس هيئة القانونيين السوريين المعارضة، القاضي والمستشار، خالد شهاب الدين: "لا أعتقد أن المجرم بشار الإرهابي سيحضر قمة المناخ بالإمارات بسبب حضور أولا بايدن وثانيا ماكرون وذلك بسبب الإحراج الكبير لهما".
وأوضح شهاب الدين لـ"الاستقلال" أن "بايدن رئيس دولة تحسب نفسها من أصدقاء الشعب السوري وفرضت على نظام بشار العديد من العقوبات والقوانين لمعاقبته ووصفته بالمجرم وزعيم الكبتاغون".
وأضاف أن "ماكرون سيقع بإحراج كبير جدا وخاصة بعد إصدار القضاء الفرنسي مذكرة التوقيف بحق بشار لارتكابه جرائم حرب".
وتابع: "لذلك لن يقبل أي من بايدن وماكرون صك براءة بهذه الصورة المهينة لدولتهما ولهما شخصيا.. لذلك لن يسمحا للأسد بالحضور وإرسال ضحكاته المعهودة، وربما سيرسل ممثلا له لحضور المؤتمر الدولي العالمي".
ولفت شهاب الدين، إلى أن الأسد إن حضر قمة المناخ في الإمارات، "فهذا يعني صك براءة لجرائمه وأن كل ما صرحت به أميركا وفرنسا وباقي الدول وكل قوانينهم ومذكراتهم ستذهب أدراج الرياح، وتكون اللعبة انتهت وأعطوه ترياق الحياة علنا منتصرا على الشعب".
وتنفس بشار الأسد الصعداء أخيرا عقب عقد من الزمن من عزله عربيا بعد لعب دول عربية دورا فاعلا لإعادته إلى محيطه العربي من جديد بشروط منها الانخراط في الحل السياسي بسوريا المجمد.
وضمن مبادرة عربية جرت إعادة نظام الأسد لشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية خلال مايو/أيار 2023، ثم دعوته من قبل السعودية لحضور القمة العربية في مدينة جدة في الشهر المذكور.
ومنذ ذلك الحين، بات ينظر الأسد إلى التحركات العربية تجاهه على أنه حقق مكاسب سياسية من التطبيع العربي، رغم إبقاء باب المكاسب الاقتصادية مغلقا بوجهه، بسبب الضغوطات الأميركية والأوروبية.
لكن مع ذلك، حضر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 قمة عربية إسلامية مشتركة غير عادية بشأن العدوان على غزة في العاصمة السعودية الرياض.
وخلال مشاركته في قمة الرياض، ألقى بشار الأسد "خطابا فلسفيا" كعادته وفق وصف متابعين ومحللين، تحدث فيه عن أهمية المقاومة.
كذلك انتقد الأسد الذي يوصف بـ"سفاح الشام" لشدة بطشه بالسوريين، وحشية العدوان الإسرائيلي على غزة، مقدرا أن "الصهيونية تفوقت على نفسها في الهمجية".
وقبيل إلقاء الأسد لكلمته غادر قاعة الاجتماع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.