التيار الصدري بديلا.. هل اقتربت نهاية حلفاء إيران بالعراق عبر صفقة أميركية؟

الولايات المتحدة وضعت تخلي إيران عن أذرعها شرطا مسبقا لأي تفاوض
كيف تتأثر بغداد إذا تخلّت طهران عنها؟ سؤال يثير الجدل في الأوساط العراقية، مع تصاعد الحديث عن شرط أميركي يربط التقدم في الملف النووي بوقف دعم إيران أذرعها في المنطقة.
وفي 13 مارس/آذار 2025، كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن واشنطن تشترط على طهران إنهاء دعمها بعض الجماعات في العراق ولبنان وسوريا قبل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، واصفا هذه المطالب بأنها "مقلقة ومزعجة".
فهل يمكن أن تستجيب إيران لهذا الشرط الجديد الذي يمس نفوذها في الشرق الأوسط؟ وما التداعيات المحتملة على العراق إذا حدث ذلك؟

"اقتناص الفرصة"
وبخصوص تخلي إيران عن أتباعها من المليشيات العراقية، نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تقريرا في 12 مارس تحدثت فيه عن التأثيرات الإيرانية في العراق وإمكانية خسارة طهران قطعة مهمة من الدومينو بالمنطقة.
وأشارت إلى أن إيران ومنذ الثورة الإسلامية في 1979 عملت على بناء شبكة من الجماعات الوكيلة والأصدقاء في الشرق الأوسط، وأثبتت إستراتيجيتها على مدى السنوات الماضية نجاعة، وقادت ببطء لبناء ما صار يعرف بـ"محور المقاومة".
لكن أحداث العام 2024 أدت إلى إضعاف المحور في المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله في لبنان، إلى جانب خسارتها حليفها الأكثر أهمية في سوريا بشار الأسد. في وقت تخشى إيران من سقوط حجر جديد في الدومينو يتمثل بالعراق.
وقالت المجلة: إن “القوات الأمنية في اليمن وإيران تبدو قوية بما يكفي لإبقاء السيطرة على شعوبها، لكن أتباع طهران في العراق باتوا في حالة توتر”.
فقد شنّت المليشيات العراقية المدعومة من إيران هجمات منتظمة على القوات الأميركية والأهداف الإسرائيلية طوال عام 2024، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في هجوم بطائرة مسيّرة على قاعدة عسكرية بالأردن في يناير/كانون الثاني.
واستدركت: "يبدو أن هذه المليشيات غيّرت مسارها؛ إذ لم تنفذ أي هجوم منذ أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو مؤشر على تصاعد مخاوفها من لفت انتباه واشنطن".
كما يبدو أن السياسيين العراقيين أكثر حرصا من المعتاد على استرضاء الولايات المتحدة؛ حيث قدم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ثلاثة تنازلات للمسؤولين الأميركيين في أواخر يناير 2025.
وهي إلغاء مذكرة اعتقال بحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ بسبب أمره باغتيال "إرهابيين" في بغداد خلال ولايته السابقة.
“هذا بالإضافة إلى الموافقة على إطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية الروسية في جامعة برينستون، إليزابيث تسوركوف، التي تحتجزها مليشيا كتائب حزب الله العراقية المدعومة من إيران”، وهو ما لم ينفذ حتى الآن.
والتنازل الثالث يتمثل في تمرير تعديل مهم على الموازنة لطالما سعى إليه الأكراد، الفئة العراقية الأكثر ارتباطا بترامب، وفق المجلة. وبينت أن “هذه التنازلات تعكس شعور حلفاء إيران في العراق بضعف متزايد”.
وأكدت المجلة أن "على واشنطن أن تستغل هذه اللحظة لتقليص النفوذ الإيراني في العراق بشكل دائم، ليس من خلال عمل عسكري واسع النطاق، بل عبر دبلوماسية صارمة، والتهديد بفرض عقوبات، وعمليات استخباراتية".
"ومن شأن هذه الإجراءات أن تحرم إيران من مصدر تمويل أساسي، وتمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط في أي مفاوضات مع قادة النظام الإيراني، والأكثر أهمية من ذلك أنها قد تسهم في تحسين الحوكمة للعراقيين، الذين عانوا طويلا تحت وطأة طهران".
وأشارت المجلة إلى أن “إيران تسعى بشدة للحفاظ على نفوذها في العراق جزئيا؛ لأن البلاد تعد مصدرا ماليا حيويا لها”؛ إذ تتحايل إيران على العقوبات بتهريب نفطها إلى المياه العراقية؛ حيث تُزوّر مَنْشَأه وتبيعه في الأسواق العالمية على أنه نفط عراقي.
كما تسرق المليشيات المدعومة من إيران في العراق، مثل "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" -وكلاهما مصنف في أميركا منظمة إرهابية- النفط العراقي مباشرة من الآبار أو عبر شركات وهمية تحصل على الوقود المدعوم من الحكومة بطرق غير مشروعة.
وأكدت المجلة أنه "على المستوى الاقتصادي، أصبحت حاجة إيران إلى العراق أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فالحكومة الإيرانية تواجه ضغوطا مالية هائلة؛ إذ تتهاوى العملة الوطنية وترتفع أسعار السلع الأساسية يوميا".
ولذلك، فإن استنزاف موارد العراق يعد من بين الخيارات القليلة المتاحة لطهران للحصول على ما يكفي من الأموال لتقديم الخدمات الأساسية للإيرانيين.
"كما أن الحفاظ على النفوذ في العراق يحمل أهمية رمزية بالنسبة للنظام الإيراني؛ فقد أدى فشل وكلائه وحلفائه في بلدين عربيين إلى إضعاف صورة إيران وتعزيز معنويات معارضيها.

"عرضة للثورة"
وعن انعكاس غياب التأثير الإيراني أو دعم أذرعها على المشهد بالعراق، رأى الباحث العراقي، لطيف المهداوي أن "الواقع السياسي سيتأثر بالتأكيد، رغم أن هذه المجاميع فطمتها إيران ماليا منذ سنوات، لكن يبقى حضن الأم المنجى الوحيد من كف الأب الأميركي".
وأوضح المهداوي لـ"الاستقلال" أن "إيران لن تدافع عنهم، لكنها ستبقى أقرب مَهرب لهم في حال جرى التضييق عليهم في العراق؛ لأن الحكومة العراقية لن تعتقلهم بطبيعة الحال أو تحاسبهم على جرائم اقترفوها".
وأكد الباحث العراقي أن "غياب دعم إيران سيؤدي إلى تراجع نفوذ حلفائها السياسي والأمني في العراق، فهم صنيعة طهران وهي من ساندتهم وجعلتهم يهيمنون على السلطة والدولة العراقية بشكل كامل".
وتابع: "لأن الشعور بسقوط آخر معقل لهم سيضربهم ضربة معنوية بالصميم ويدعهم عرضة للثورة الشعبية، فلن يصمدوا كثيرا أمام إرادة الجماهير التي رفضتهم في احتجاجات عام 2019، ولكن تدخل إيران ومساعدة حلفائها أدى إلى قمع المحتجين، وقتل نحو 800 منهم".
من جهتها، رأت الباحثة العراقية في شؤون الشرق الأوسط، شيماء عبد الحميد، أنه "رغم حجم التحديات التي تواجه النفوذ الإقليمي الإيراني في العراق، لكن من غير المرجح أن تتحرر بغداد من السيطرة الإيرانية في القريب العاجل".
وأوضحت خلال بحث لها نشره موقع "شاف" للدراسات في 19 يناير، أن "نفوذ طهران في الساحة العراقية يرتبط بوجود أساس أيدولوجي وطائفي وعسكري يتمثل في الفصائل المسلحة الموالية لها".
وأشارت إلى “تمسك إيران ببقاء قوات الحشد الشعبي؛ التي تعد عنصرا أساسيا في الإستراتيجية الإيرانية لإيجاد موطئ قدم في العراق، ويعد الحليف الأكثر أهمية لطهران في مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة”.
و"لذلك تبدي إيران تمسكا شديدا به، وتحث الحكومة العراقية على حماية هذه القوة وعدم التفريط في مكتسباتها السياسية والعسكرية".
وبحسب الباحثة، فإن ذلك اتضح خلال زيارة السوداني إلى طهران في 8 يناير، ولقائه المرشد الإيراني علي خامنئي، والذي دعا إلى الحفاظ على الحشد الشعبي وتقويته بشكل أكبر، وإنهاء الوجود الأميركي في العراق، واصفا إياه بأنه "غير قانوني ومخالف لمصالح الشعب والحكومة العراقيين".
ويبدو من دعوة خامنئي، وفق الباحثة، أن “طهران تحاول الحفاظ على ما تبقى لها من أذرع في المنطقة، عبر دفع الحكومة العراقية للإبقاء على مليشيات الحشد الشعبي دون تفكيك”.

بديل شيعي
وفي الوقت الذي يتكهن فيه البعض بتراجع دور حلفاء إيران في حال تخلت الأخيرة عنهم، تتجه الأنظار إلى التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، ليكون البديل في العراق بالمستقبل، على تقدير أنه يغرد في معظم الأحيان خارج السرب الإيراني.
وفي هذه النقطة، يقول المحلل السياسي القريب من التيار الصدري، رافد العطوان، إن "الانقسامات داخل ائتلاف الإطار التنسيقي (الحاكم) وتراجعه في الشارع، ربما يجعل إيران تترك المجال للصدر بأن يكون بديلا في تشكيل الحكومة المقبلة".
وأضاف العطواني خلال مقابلة تلفزيونية في 24 فبراير، أن “إيران تريد الحفاظ على نفوذها في العراق، وتخشى فقد الإطار التنسيقي وابتعاده عن السلطة على غرار ما جرى مع حزب الله اللبناني”.
وبالتالي ستكون الفرصة سانحة أمام التيار الصدري لأن يصبح البديل المحتمل في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.
وفي تطور جديد، حث الصدر في فبراير/شباط 2025، أتباعه على تحديث سجلات الناخبين، مؤكدا أنه "أمر لا بد منه"، وذلك بعدما قرر في يونيو/ حزيران 2022 الانسحاب من العملية السياسية في العراق بشكل نهائي، وعدم المشاركة في أي انتخابات مقبلة.
وبرر الصدر الانسحاب في وقتها بعدم رغبته في الاشتراك مع الساسة "الفاسدين"، بعد دعوته لاستقالة كتلته البرلمانية والبالغ عددها 73 نائبا.
وجاء ذلك بعد إخفاق التيار في تشكيل حكومة "أغلبية سياسية" مع قوى سنية وأخرى كردية فائزة في انتخابات عام 2021.
وقال الصدر: إن تحديث السجل "نافع لكم سواء دخلتم الانتخابات أم قاطعتموها، فالتفتوا إلى ذلك رجاء"، وذلك قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وتتهم إيران بالوقوف وراء تفكيك "التحالف الثلاثي" الذي شكله الصدر مع حلفاء سُنة وأكراد، وإفشال مساعيه في تشكيل حكومة أغلبية سياسية بمعزل عن قوى الإطار التنسيقي الشيعي الحليف لها.
ويرفض الصدر تشكيل حكومة مع الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يتهمه بالتسبب في الفساد المالي وتردي الخدمات وسوء إدارة البلد منذ مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي عام 2003.