مع غياب الثقة المتبادلة.. إلى أين ستتجه علاقات إيران وأميركا في عهد ترامب؟

"الجناح المحافظ يمتلك رؤية أكثر حذرا وهجومية"
بعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في الوصول إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني، ورغبته في مقابلة الرئيس مسعود بزشكيان، دخلت الأوساط السياسية والدبلوماسية في مرحلة جديدة من المناقشات.
في ضوء هذا، يحلل موقع "فرارو" الإيراني فرص تغيير طهران سياستها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل "عقبات وتعقيدات"، قد تحول دون الوصول لحل معضلة الملف النووي.
واستعرض الموقع مبررات إيران لممارسة أنشطة نووية تحت ذريعة "الردع النووي"، كما تناول وجهتي النظر الداخلية بين المحافظين والإصلاحيين بشأن مسار العلاقة مع واشنطن.

نهج جديد
في مطلع تقريره، أشار الموقع الإيراني إلى أن ترامب شدد في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" الأميركية، أواخر يناير/ كانون الثاني 2025 على أن "هدفه الرئيس هو منع إيران من الحصول على الأسلحة النووية".
ولم يشر ترامب إلى قضايا حساسة أخرى، مثل السياسات الإقليمية لإيران، والتوترات مع إسرائيل، أو مواضيع مثيرة للجدل مثل تغيير النظام أو الهجوم العسكري.
وبالنظر إلى التأكيدات المتكررة من قادة إيران أنهم ليس هدفهم في امتلاك أسلحة نووية، لا يزال احتمال التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن قائما.
كما أن انتخاب مسعود بزشكیان رئيسا لإيران من قبل الإصلاحيين، يشير إلى رغبة طهران في العودة إلى المسار الدبلوماسي وتقليل التوترات الدولية.
وأشار الموقع إلى أن جواد ظريف مساعد الشؤون الإستراتيجية في إيران، الذي يعتقد كثيرون في طهران أنه مهندس هذه التغيرات، شرح -في مقالاته الأخيرة في صحف دولية مرموقة مثل "فورين أفيرز" و"إيكونوميست"- النهج الجديد لإيران.
كما طرح أيضا وجهات نظر إيران بتفصيل أكبر، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي.
عقبات وتعقيدات
مع ذلك، يعتقد الموقع الإيراني أن "مسار التوصل إلى اتفاق يواجه العديد من العقبات والتعقيدات".
وأشار إلى أن الظروف الحالية تختلف بشكل كبير عن الأجواء التي كانت سائدة، عند توقيع الاتفاق النووي في عام 2015.
فبعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق في عام 2018 وفشل إدارة بايدن في إحيائه، أُتيحت لإيران الفرصة لتوسيع برنامجها النووي تدريجيا.
وأوضح أن هذا التوسع شمل تخصيب اليورانيوم حتى مستوى 60 بالمائة، وتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة.
وبحسبه، فإن تلك الخطوات زادت بشكل كبير من قدرة إيران على الوصول إلى مستوى تخصيب 90 بالمئة.
ويقدّر أن الوضع النووي لإيران "أصبح أكثر تعقيدا، خاصة مع التغيرات التي حدثت في الخطاب النووي الإيراني خلال السنوات الأخيرة".
وأشار إلى أنه "على الرغم من أن طهران قد أكدت رسميا عدة مرات على عدم رغبتها في امتلاك أسلحة نووية، وإصدار المرشد فتوى تحرم استخدام الأسلحة النووية".
"إلا إن التطورات الأخيرة في المنطقة وعلى الساحة الدولية، قد أوجدت دوافع جديدة لدفع إيران نحو تحقيق ردع نووي"، وفق الموقع.
في هذا السياق، قال: إن "الخطاب العدواني لبنيامين نتنياهو، الذي يتحدث بوضوح عن الحاجة إلى مهاجمة إيران ويسعى إلى الحصول على الدعم الكامل من الولايات المتحدة لمثل هذا العمل؛ قد زاد من حدة هذه المعادلة".
وأردف: "وعلى الرغم من أن إسرائيل لا تمتلك القدرة بمفردها على شن هجوم واسع ضد البنية التحتية النووية الإيرانية، فإن هذه التهديدات قد دفعت إيران إلى تعزيز ردعها النووي".
ووفقا لتلك الظروف، اعتبر أن "إدارة الأزمة النووية الإيرانية، أصبحت مسألة معقدة وحساسة".
فقد "خلقت التطورات الأخيرة في البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية وتركيب أجهزة طرد مركزي متقدمة، تحديات جديدة للمفاوضات، مما سيجعلها على الأرجح أطول وأكثر صعوبة"، يقول الموقع.
ويتابع: "ومع ذلك، فإن أي اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي الإيراني يجب أن يكون جزءا من إستراتيجية إقليمية شاملة لا تقتصر على القضية النووية فقط".
مشددا على أنه "يجب أن تأخذ هذه الإستراتيجية في الحسبان المخاوف الأمنية الأوسع لإيران، بما في ذلك التهديدات الخارجية وعدم الاستقرار الإقليمي".
مؤكدا أنه "من خلال معالجة هذه المخاوف الجذرية فقط، يمكن تقليل دوافع إيران للتحرك نحو الردع النووي، ومنع تصاعد التوترات في المنطقة".

رؤى مختلفة
وفيما يتعلق بالساحة الداخلية الإيرانية، أوضح الموقع أن الأجنحة السياسية "تتبنى رؤى مختلفة بشأن كيفية التعامل مع واشنطن ومسار المفاوضات النووية".
حيث يركز الجناح الإصلاحي، بقيادة حكومة مسعود بزشكیان، على تبني نهج نشط واستباقي تجاه الولايات المتحدة.
ومن وجهة نظر هذا الجناح، يجب على إيران تشكيل ظروف المفاوضات لصالحها، وإيجاد مساحة جديدة لتقليل التوترات ورفع العقوبات من خلال المبادرة الدبلوماسية.
في المقابل، أفاد الموقع بأن الجناح المحافظ "يمتلك رؤية أكثر حذرا وهجومية".
إذ "يعتقد هذا الجناح أن الولايات المتحدة، كطرف انسحب من الاتفاق النووي في عام 2018 وخرقت التزاماتها؛ يجب عليها أولا اتخاذ إجراءات عملية لبناء الثقة لجذب إيران".
كما “يعارض المحافظون بشدة فكرة استخدام الورقة النووية الإيرانية، مقابل وعود بتقليص العقوبات التي يعتقدون أنه لا توجد ضمانات لعدم استمرارها”.
علاوة على ذلك، يعتقد الموقع أن المحافظين "يركزون على التعاون الإستراتيجي لإيران مع روسيا، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية، كأداة لتعزيز الردع وخلق توازن ضد تهديدات أميركا وإسرائيل".
من جهة أخرى، أوضح الموقع أن الإصلاحيين "يرون أن التوصل إلى اتفاق مع إيران في الوقت الحالي- حيث تحولت حرب أوكرانيا إلى أزمة طويلة الأمد بالنسبة لواشنطن- قد يكون خيارا مرغوبا وسهلا نسبيا لتعزيز الوضع الدبلوماسي لترامب".
ووفق الموقع، فإنهم "يظنون أن اتفاقا محدودا، مشابها للاتفاق الذي أبرمه ترامب مع كوريا الشمالية، يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتخفيف التوترات بين طهران وواشنطن".
وأردف: "يمكن أن يتضمن هذا الاتفاق المحدود إجراءات رمزية مثل اجتماع بين دونالد ترامب ومسعود بزشكیان، مما يخلق مساحة لبدء مفاوضات أكثر شمولا في المستقبل".
واستطرد: "في هذا الإطار، يمكن تناول القضايا الرئيسة مثل البرنامج النووي الإيراني، وتخفيض العقوبات، وحتى القضايا الحساسة الإقليمية في مراحل لاحقة".
أوروبا خطوة أولى
في الوقت نفسه، ذكر الموقع الإيراني أن طهران بدأت مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وثلاث دول أوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)؛ لـ"منع عودة عقوبات مجلس الأمن قبل الموعد النهائي في أكتوبر/ تشرين الأول 2025".
ورأى أن "هذه الخطوة، التي تتجاوز مجرد إستراتيجية دفاعية، تحمل رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها: (إيران جادة في التوصل إلى اتفاق)".
ويشير إلى أن التجربة التاريخية للاتفاق النووي "تظهر أن المسار الأولي للتوصل إلى هذا الاتفاق كان من خلال التفاوض مع أوروبا، وانضمت واشنطن إلى هذا المسار في المراحل اللاحقة".
ولذلك، يتصور أنه "من المنطقي أكثر لواشنطن الانضمام إلى المفاوضات متعددة الأطراف بمشاركة أوروبا؛ لأن السعي وراء مفاوضات ثنائية مع إيران قد يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تفعيل آلية عودة العقوبات".
وأكمل: "هذا الأمر، خاصة في الظروف الحالية التي أصبحت فيها العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معقدة وغير مستقرة، يصبح مخاطرة دبلوماسية بالنسبة لواشنطن".
وشدد على أن "الاتفاق المحدود الثنائي بين إيران وأميركا، الذي يؤدي في النهاية إلى مفاوضات شاملة بمشاركة الأطراف الأخرى في الاتفاق النووي، هو المسار الأكثر واقعية".
وختم الموقع الإيراني تقريره قائلا: "ومع وجود إرادة سياسية بين اللاعبين الرئيسين، حان الوقت الآن لكي تتخذ جميع الأطراف خطوة عملية ومعنوية لتخفيف التوترات".