لهذا اعتذر زعيم المعارضة التركية عن أخطاء "انقلاب 97" واضطهاد المحجبات
.jpg)
سلطت صحيفة تركية الضوء على تصريحات لرئيس حزب "الشعب الجمهوري" التركي المعارض، كمال كليتشدار أوغلو، طلب من خلالها "المسامحة من الشعب".
ونشرت صحيفة "صباح" مقالا للكاتب نبي ميش، قال فيه: "قام كليتشدار أوغلو بطلب المسامحة من الشعب قائلا: هناك جروح عميقة تسبب بها الحزب، الذي أقوده، في الماضي".
وأضاف: "سنشفي الجروح التي تسبب بها 28 فبراير/شباط 1997 (الانقلاب العسكري) ونطلب المسامحة، وسنطلب السماح من فتياتنا المحجبات اللواتي أدخلن إلى غرف الإقناع (التعذيب)".
تناقض واضح
واستدرك ميش: "غير أن كليتشدار أوغلو الذي صرح بمثل هذه الكلمات، كان قد أكد على كلمات مضيفه الذي قال: في الواقع أنا لا أقبل لنفسي أن أستخدم كلمة حجاب، أنا أصفها بالخيش، هي خيش بالنسبة لي، بقوله: ما هي إلا قطعة قماش بطول متر واحد، وذلك في برنامج تلفزيوني شارك فيه عام 2008".
وأردف: "كذلك وقبل فترة ليست ببعيدة، قام كليتشدار أوغلو برفع قضية إلى المحكمة الدستورية مع مجموعة من النواب من حزبه، طالبوا فيها إلغاء القانون الذي سنه حزب العدالة والتنمية عام 2008 حول إلغاء حظر الحجاب، حتى إنه انضم إلى المجموعة التي قدمت الالتماس إلى المحكمة العليا يدا بيد".
ونوه ميش: "غير أنه من المهم جدا ما قاله كليتشدار أوغلو من أنه سيتصالح مع الماضي وما بدأه من خطوة لطلب المسامحة من الشعب، فحتى لو كان هذا تكتيكا لأجل انتخابات عام 2023، فإنه يستحق الاهتمام والنظر من حيث قيام الشعب الجمهوري به والماضي السياسي الذي يمثله الحزب".
وتابع: "وهنا يأتي السؤال الأهم لفهم مدى صحة تصريح كليتشدار أوغلو أو ما يهدف إليه من خلاله: ما الذي قد يدفع برئيس حزب إلى طلب المسامحة في مسألة الحجاب مع أنه وصفها سابقا بقطعة قماش، ووقع قبل فترة ليست ببعيدة، على طرح مسألة إلغاء الإذن بالحجاب، أمام المحكمة الدستورية؟"
واستدرك ميش قائلا: "لكن قبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نستعرض بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها كليتشدار أوغلو وسياسيون من حزبه".
فعلى سبيل المثال، يتابع الكاتب، قال كليتشدار أوغلو: "كان العدالة والتنمية هو الحزب الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات في ولاية ماردين، وهذا ما حدث في قونية وشانلي أورفة أيضا، أنا أناشد جميع المزارعين: لن أسامحكم إذا قمتم بالتصويت لصالح العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة، هذا أمر لا يصدق".
كما قال: "أنا لا أدعو المعلم الذي يدعم الحزب الحاكم، فلا يمكن للمعلم أن يكون هكذا...".
وتابع الكاتب: دعونا نضيف هنا أن القيادي فكري ساغلار الذي تولى أخيرا مناصب مهمة جدا في "الشعب الجمهوري" وعمل وزيرا للثقافة لفترة من الوقت، كان قد قال في برنامج تلفزيوني شارك فيه: "أنا أشك في أن القاضية التي ترتدي حجابا، ستقضي بالعدل"، وفقا للكاتب.
وعلق ميش: "بالنظر إلى كل هذا، يمكن القول إن قيام زعيم سياسي بالإدلاء بتصريحات عن طلب المسامحة لأجل الأخطاء السابقة له بعدان مختلفان، إلزامي وتكتيكي".
سياسات ملتوية
وأوضح ميش، أما البعد "الإلزامي" فيرتبط بنجاح أردوغان وسياسة "العدالة والتنمية" في السنوات الـ19 الأخيرة بشكل مباشر، فلو لم يكن الشعب من ينتخب الرئيس في تركيا ولم تكن هناك حاجة لتجاوز عتبة 50+1 بالمئة، لكان "الشعب الجمهوري" وجماعات النخب القديمة التي تسعى لاستغلال ضعف وهشاشة المشهد، ليستمروا في سياساتهم السابقة.
وأضاف: "لكن وبتغير المشهد السياسي دستوريا وانتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب، أصبح من الضروري الحصول على دعم ما لا يقل عن 50+1 بالمئة من المجتمع".
لهذا ينبغي على الأحزاب التي تتطلع للوصول إلى الحكم، أن "تتبنى وتهتم بمبادئ وقيم شرائح كبيرة من المجتمع وتعمل للارتقاء لتوقعاتهم، أي عليها إنتاج سياسات تلبي مطالب المجموعات المختلفة".
واستطرد ميش: "والحق أن التغير والتحول في السياسة خلال السنوات الـ19 الماضية يحمل معنى مختلفا بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري، ذلك لأنه لم يتمكن من الوصول إلى السلطة بمفرده منذ الانتقال إلى الديمقراطية عام 1950".

ورغم ذلك، حافظ الحزب على سلطته من خلال نظام الوصاية والتحالف الذي يمكن أن نسميه بالتكتل التاريخي حتى العقد الأول من القرن الـ21.
وقد تشكل هذا التحالف من البيروقراطية المدنية والعسكرية، والطبقة التي أطلقت على نفسها اسم المثقفين، وبرجوازية إسطنبول التي كانت تتعامل مع الدولة، بحسب الكاتب التركي.
وتابع: "لقد تآكلت قوة هذا التكتل التاريخي وتراجعت مع مرور الوقت، والحق أن غضب رئيس الشعب الجمهوري ورد فعله تجاه المعلمين وبعض رجال الأعمال والفنانين في السنوات الأخيرة يعود إلى أنهم لا يتحركون وفقا لمهمتهم التاريخية ولا يدعمون الشعب الجمهوري، فالتغير في السياسة أحدث تعددية مجتمعية في جميع المجالات".
وأكمل ميش قائلا: "ومع نظام الحكم الجديد، لا يكفي الاعتماد على دوائر معينة للحفاظ على وجود الأحزاب في السياسة أو حتى الوصول للسلطة، وبما أن معدل الأصوات التي يحصل عليها الشعب الجمهوري توقف عند حوالي 20 بالمئة لسنوات، كان من الضروري اتخاذ خطوات جديدة، خاصة وأن 70 بالمئة من الناخبين في تركيا يمينيون".
أعباء الماضي
وهكذا، يرى مسؤولو حزب الشعب الجمهوري أن "خلاصهم" إنما هو في السياسة اليمينية، الأمر الذي يعني أنه يجب تقييم تصريحات كليتشدار أوغلو حول مواجهة ماضي حزب الشعب الجمهوري، على أنها محاولة للتخلص من أعباء الماضي".
وقال ميش: "إذ يدرك الحزب أن التأثير الذي سيحدثه المخلصون القادمون من السياسة اليمينية سيكون محدودا ما لم يتم التخلص من أعباء الماضي وثقله".
واستدرك: أما البعد "التكتيكي" فيرتبط مباشرة بالانتخابات المقبلة، فكما هو معروف، كان تحالف الأمة (أحزاب الشعب الجمهوري، والسعادة، والجيد، والديمقراطي) يتحدث وبلهجة سياسية فارغة تماما، عما يسمى بـ"الحب المفرط" واحتواء جميع شرائح المجتمع في الانتخابات المحلية، والحق أن هذا "الحب المفرط" لم يكن إلا محاولة للتأثير على الشعب.
وشرح ميش ذلك بالقول: "فبينما كان بعض السياسيين يتحدثون عن الحب والتسامح في جناح المعارضة، كان البعض الآخر يذهبون لتبني لغة استقطاب مستخدمين أشد الكلمات وأقساها، واستخدموا أقذع الشتائم ضد من يعارضونهم ومن لم يصوتوا لمرشحيهم".
وأردف: غير أنه ومع انتهاء الانتخابات رفعت لغة "الحب المفرط" إلى الرفوف، وذهب الحزب كل مذهب لإبقاء الاستقطاب مشتعلا لـ3 سنوات ونصف، ناهيك عن لغة المعارضة القاسية التي تبناها، ويمكن ملاحظة ذلك بالنظر إلى خطابات قادة المعارضة في اجتماعات الحزب.
إلا أنه ومع اقتراب الانتخابات، بدأ الحزب في تفعيل أدوات التأثير على الشعب مرة أخرى، فبينما سيتحدث بعضهم عن طلب السماح من الشعب على أخطاء الحزب في الماضي، سيبدأ الكورال الذي سيتولى مهمة إشعال الاستقطاب، في غناء سيمفونيته على الجانب الآخر، يقول ميش.
فبإشعاله الاستقطاب في البلاد، يهدف الحزب لدفع قاعدة تحالف الأمة للمشاركة في الانتخابات، وكذلك إيهام الناخبين في المنطقة الرمادية أن الحزب الحاكم والتحالف في السلطة هو من تسبب بأجواء الاستقطاب هذه، بحسب ما يراه الكاتب.
وختم ميش مقاله قائلا: "خلاصة القول، كانت مواجهة الشعب الجمهوري لماضيه خطوة فرضتها التحولات السياسية التي حدثت خلال السنوات الـ19 الماضية من حكم العدالة والتنمية، وكذلك النظام الرئاسي الجديد، ولربما هذه إحدى أهم مميزات نظام الحكم الجديد، لكنه السبب أيضا وراء رغبة المعارضة في العودة للنظام القديم في أسرع وقت ممكن".














