اعتقال جواسيس و"أبيات أردوغان".. ما مستقبل العلاقات بين تركيا وإيران؟
.jpg)
لم تمض سوى أيام على اندلاع أزمة بين تركيا وإيران بسبب أبيات شعر ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في العاصمة الأذربيجانية باكو، أثارت غضب طهران، حتى جاء إعلان أنقرة باعتقال 11 شخصا من أفراد شبكة مخابرات إيرانية في مدينة إسطنبول.
اعتقال شبكة التجسس، أثار تساؤلات عن تداعيات هذه العملية على العلاقة بين أنقرة وطهران، ومغزى توقيتها في ظل توتر بين البلدين بسبب أبيات الشعر، وهجوم الإعلام الإيراني على الرئيس أردوغان.
قصيدة الأزمة
في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020، تلا أردوغان أبيات من قصيدة شعرية في احتفالية النصر بباكو، ورد فيها اسم "نهر آراس" الذي ينبع من تركيا ويمر عبر أرمينيا وأذربيجان وإيران، ما أثار حفيظة طهران.
وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول 2020، استدعت أنقرة سفير طهران محمد فرازمند، معربة عن استيائها من ادعاءات لا أساس لها، وجهتها طهران بحق الرئيس أردوغان.
وذكرت مصادر دبلوماسية تركية، أن الخارجية أعربت للسفير فرازمند، عن استيائها من استدعاء الخارجية الإيرانية سفير أنقرة دريا أورس، بعد تغريدة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، زعم خلالها أن مقطع البيت الذي قرأه أردوغان، يستهدف وحدة الأراضي الإيرانية.
وأفاد بيان صادر عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، أن نائب وزير الخارجية استدعى السفير التركي، وقدم إليه استنكار الوزارة الشديد، وأن طهران تنتظر توضيحات حول الموضوع.
وفي 14 ديسمبر/كانون الأول 2020، ووفق وكالة أنباء الأناضول، استبعد الرئيس الإيراني حسن روحاني، أن يكون الرئيس التركي قصد "استهداف وحدة أراضي إيران أو الإساءة لشعبها".
وردا على سؤال أحد الصحفيين حول القصيدة، قال روحاني: "القصيدة المعنية لها جوانب عديدة ومعاني مختلفة حسب سياقها، إذا قرأتها في إيران، فهذا يعني شيئا، وإذا قرأتها خارج إيران، فهي تعني شيئا آخر".
وأردف: "في الحقيقة السلطات التركية صرحت بوضوح أن أردوغان لم يقصد شيئا، وفي نفس الخطاب أكد على ضرورة العمل المشترك بين بلاده وإيران وروسيا وأذربيجان، علينا الانتباه لما قيل قبل الخطاب وبعده".
وتابع: "أبلغتنا السلطات التركية أن أردوغان أراد التعبير عن سعادته بتحرير أراضي أذربيجان من الاحتلال، كما أن الشعر الذي قرأه متعدد الاستعمالات (...)".
وأكد وزير الخارجية التركي، مولوود تشاووش أوغلو، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني، أن الرئيس أردوغان "عندما قرأ بيت الشعر في العاصمة الأذربيجانية باكو، كان يقصد مدينة لاتشين وإقليم قره باغ الأذربيجانيين"، بحسب بيان الخارجية الإيرانية.
"حبيب الكعبي"
وفي ذات اليوم الذي انتهت فيه أزمة شعر أردوغان (14 ديسمبر/ كانون الأول 2020)، أعلنت أنقرة أن استخباراتها قبضت على 11 إيرانيا في عمليات عدة نفذتها أخيرا لتورطهم في اختفاء، حبيب أسيود شعيب الكعبي المعارض الإيراني الشهير بـ"حبيب الكعبي" الذي عاش في السويد وزار إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بعدما أوقعت به امرأة إيرانية.
وقالت قناة "سي.إن.إن تورك": إن وكالة المخابرات التركية توصلت إلى أن هناك عمليات إمساك بمعارضين، من بينها عملية الكعبي، قام بها أفراد شكلوا شبكة المخابرات الإيرانية في تركيا، ويرتبطون بتاجر المخدرات الإيراني المدان ناجي شريفي زنداشتي.
ووفقا لصحيفة "حريت" التركية، فإنه جرى استدراج الكعبي إلى إسطنبول باستخدام زوجته السابقة التي طلبت أن تراه ووعدت بتسديد ديون له، لكن أشخاصا مرتبطين بتاجر المخدرات زنداشتي وضعوه هناك في حافلة صغيرة وأعادوه إلى إيران.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول تركي بارز (لم تكشف اسمه) في 14 ديسمبر/كانون الأول 2020، قوله: إن حبيب الكعبي وهو زعيم انفصالي إيراني من طائفة الأحواز العربية اختطفته شبكة تعمل "لصالح جهاز المخابرات الإيراني" بعد أن استدرجته عميلة للمخابرات الإيرانية للسفر إلى تركيا.
وقال المسؤول التركي: إن الكعبي المقيم في السويد استدرج للسفر إلى تركيا لمقابلة امرأة غير معروفة له تعمل لدى المخابرات الإيرانية وهو لم يكن على علم بذلك. وتابع المسؤول أنه عندما وصل إلى إسطنبول ذهب إلى مكان اللقاء حيث تم تخديره وتقييده.
وذكرت وسائل إعلام حكومية إيرانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 أن ضباطا من وزارة المخابرات الإيرانية اعتقلوا الكعبي للاشتباه بتورطه في هجوم عام 2018 على عرض عسكري أسفر عن مقتل العشرات دون أن توضح متى أو كيف اعتقل.
وعرض الإعلام التركي، في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2020، مقطعا مصورا لعملية الاستخبارات التركية التي قبضت فيها على 9 من بين 11 متهما على صلة بالجاسوس وتاجر المخدرات الإيراني ناجي شريف زنداشتي.
عملية للاستخبارات التركية تلقي القبض على 9 ذوي صلة بتاجر مخدرات إيراني
— يني شفق العربية (@YeniSafakArabic) December 14, 2020
تمكن فريق أمني في جهاز الاستخبارات التركية من القبض على 9 متهمين من بين 11 متهمًا على صلة بالجاسوس وتاجر المخدرات الإيراني ناجي شريف زنداشتي. pic.twitter.com/8ALXEpTBAH
انتهاك للسيادة
الدكتور محمود رفعت، رئيس "المعهد الأوروبي" للقانون والعلاقات الدولية، قال لـ"الاستقلال": إن "البلدان التي تقبض على جواسيس بهذه الخطورة لبلدان أخرى فإن العلاقة تتوتر بينهما، لأنه يمثل انتهاكا لسيادة البلد الذي قبض على هؤلاء العملاء فيها، وذلك من شأنه أن يخلق نوعا من التوتر الذي قد يصل إلى نزاع".
لكن رفعت رأى أن "سياسة تركيا فيما يتعلق بالشؤون الآسيوية هي سياسة احتواء أزمات، لأنها تريد التفرغ إلى معاركها بمنطقة المتوسط ومسألة الغاز والتحديات الأوروبية، خاصة مع فرنسا، فهناك ملفات كثيرة شائكة وساخنة، ما بين تركيا من جهة، وأوروبا وأميركا من جهة أخرى".
وتابع: "سياسة تركيا في السنوات الأخيرة كانت تتجه لاحتواء الأزمات سواء مع الجانب الإيراني أو الروسي، وبالتالي لا أتوقع أن تصل المسائل إلى النزاع أو شيء من هذا القبيل، رغم أنه سيكون هناك توتر حتما بعد اعتقال عملاء إيران على الأراضي التركية".
وأشار إلى أن "عملية اعتقال الجواسيس جاءت بعد تسرب أخبار أن المعارض الذي جرى خطفة، حبيب الكعبي، وآخر الذي جرى استدراجه وإعدامه روح الله زم، كانا على الأراضي التركية أو مرا من خلالها، فهذا قد يخلق حالة من التوتر لكن لن يصل الأمر إلى نزاع".
أما بخصوص مغزى توقيت اعتقال شبكة العملاء الإيرانيين، فيرى رفعت أن "له صلة بالأحداث الجارية، لا سيما إعدام المعارض روح الله زم، الذي أثار ضجة دولية كبيرة، وبالتالي هناك سخونة في تعامل إيران مع المعارضين والناشطين وهذا يفسر التوقيت من جهة أخرى".
وفي 12 ديسمبر/ كانون الأول 2020، نفذت إيران حكم الإعدام بحق الصحفي المعارض، روح الله زم، الذي أدين بالتحريض على العنف خلال احتجاجات مناوئة للحكومة عام 2017، وجرى الإيقاع به عام 2019 بعد أن عاش في المنفى بفرنسا، وأثار إعدامه غضبا في أوروبا.
اتصالات للتهدئة
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والصحفي المقرب من الحكومة التركية، حمزة تكين: "ما شهدته إسطنبول من اعتقال شبكة استخبارات إيرانية يشير إلى أن التوتر بين طهران وأنقرة ما يزال موجودا".
واستدرك تكين خلال تصريحات صحفية في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2020، قائلا: "لكنه لن يستمر كثيرا، لما ترتبط به إيران وتركيا بعلاقات خاصة في الناحية الاقتصادية".
وأضاف الصحفي التركي: أن الاتصالات ما تزال مستمرة حتى الآن، متوقعا أن "تقود إلى تهدئة في الظاهر على أقل تقدير، وفي الإعلام والتصريحات السياسية".
من جانبه، يقول الباحث التركي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إسلام أوزكان: "طالما أن العمليات ظلت مقتصرة على المعارضة الإيرانية فلن تؤدي إلى مشكلة بين الطرفين، بشرط ألا تكون هناك علاقة بين المعارضة والحكومة التركية بشكل أو بآخر".
واستبعد أوزكان أن تؤدي هذه العملية إلى تزايد وتصعيد الإشكالية بين الطرفين، مضيفا: أن الحكومة التركية "ستعتبر اختطاف الكعبي شأنا داخليا إيرانيا، لا يتعلق بأي شق بالحكومة التركية".
وعلى نحو مماثل، رأى الباحث السياسي، جلال سلمي أن إلقاء القبض على الشبكة الإيرانية في مدينة إسطنبول لا يمكن إدراجه في إطار التوتر، بل هو "عمل استخباراتي ما دون العمل الدبلوماسي، ويصب في ميدان آخر".
وأوضح سلمي أن "العمل الاستخباراتي لا يمكن أن يشعل أزمة، لأنه وبموجب اتفاقية فيينا لم يتم إضافة أي مادة تتعلق بالانتهاكات الاستخباراتية، لأن الدول تدرك أن العمل الاستخباراتي مهم لها ولا يمكن حظره".
سوابق التجسس
اعتقال أنقرة لأفراد شبكة الجواسيس الإيرانية، لم تكن الأولى من نوعها ضد نشاطات طهران المخابراتية في تركيا، فسبق أن أطاحت أنقرة بأشخاص مرتبطين بتاجر المخدرات شريفي زنداشتي، تورطوا باغتيال المعارض الإيراني مسعود مولوي بمدينة إسطنبول في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.
وسقط مولوي قتيلا بعد تلقيه 11 رصاصة عندما كان يسير في حي "شيشلي" بإسطنبول، وأعلنت الشرطة التركية وقتها أنها اعتقلت 5 من المشتبه بهم، 4 منهم مقربون من الضحية، وأقروا بعدها أنهم تصرفوا بأوامر ضابطي مخابرات في القنصلية الإيرانية.
وقالت صحيفة "صباح" التركية خلال تقرير نشرته في 31 مارس/ آذار 2020: "الأحداث تظهر جوانب مماثلة لاغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، فقد تبين أن مولوي، أقام علاقة صداقة مع علي إسفنجاني الإيراني المقيم في إسطنبول، لكنه لم يكن يعلم أن الأخير، ينقل معلوماته للاستخبارات الإيرانية، بواسطة رجلي الأعمال الإيرانيين "أمين. ب" و"مسعود. أ.م".
وبعد مراجعة 320 ساعة من 90 تسجيلات الكاميرات، رصدت الشرطة والمخابرات التركية، لقاء رجل الأعمال "أمين. ب" وعلي إسفنجاني مع "القاتل" عبد الوهاب كوتشاك الذي يدعي أنه يعمل لصالح "بارون المخدرات" الفار، شريف زندشتي، قبل يوم من الجريمة في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 بمول "جواهر" في إسطنبول.
وحسب الصحيفة، فقد تبين أن إسفنجاني الذي وصفته تقارير بأنه "قائد الفريق"، ذهب إلى القنصلية الإيرانية في إسطنبول يوم ارتكاب الجريمة، وبذات اليوم ذهب إلى مطعم في منطقة "بي أوغلو"، برفقة شخصين هما "سناء. ف" و"خوتان. ك".
وذكرت الصحيفة أن رجل مخابرات إيراني يدعى "سفر أ. غ" توجه إلى قنصلية إيران بإسطنبول، بعد جريمة الاغتيال بيوم أي في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وتقابل مع شخص يدعى سياواش ومهرب إسفنجاني "سناء. ف".
وأوضحت أن القنصلية الإيرانية جهزت وثيقة مزورة إلى إسفنجاني باسم "عباس فيرامارزي"، من أجل تأمين هروبه، وفي منتصف ليلة 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، غادر إسطنبول عبر الحافلات إلى أنقرة، وبعد ذلك انتقل إلى منطقة "آغري" الحدودية مع إيران.
وذكرت صحيفة "صباح" في تقريرها أن قوات الأمن تحقق حول استخدام عبد الوهاب كوتشاك، لنفس خط الهاتف الهولندي الذي استخدمه شقيقه "علي" في اغتيال المعارض الإيراني سعيد كريمان، بمدينة إسطنبول في أبريل/ نيسان 2017.
المصادر
- MİT'ten İranlı ajan operasyonu: Zindaşti'nin 9 adamı tutuklandı
- بشبهة التجسس لصالح إيران.. تركيا توقف 11 شخصا
- على حافة "الخط الأحمر".. أزمتان تفجران "الحقد الدفين" بين أنقرة وطهران
- توتر جديد.. تركيا تعتقل "متهمين" باختطاف معارض إيراني
- الشرطة التركية تعتقل 11 "مشاركا في اختطاف معارض إيراني"
- تركيا تعتقل 11 شخصاً لتورطهم في اختطاف إيران للناشط الأهوازي
- مسعود مولوي.. “صديق الرؤساء” اغتالته إيران على طريقة خاشقجي بإسطنبول