هل تسمحين لطفلك بأخذ هاتفك لإنهاء إزعاجه؟.. مخاطر تنتظره

لا تفصل "ملَك" عن إتمام سنتها الثانية سوى بضع شهور، هي الطفلة وحيدة والديها، ولا يتحملان مشهد دخولها في نوبة من الصراخ.
يسارعان بإعطائها الهاتف الذكي لترضى وربما لتريح رؤوسهم، لاحظت الأم ردات فعل غريبة على الطفلة، فهي أصبحت تقوم بحركات شخص غاضب مع أن الوالدين لم يُظهرا قط أمامها بهذا الشكل. الصغيرة أصبحت تهمل كل من يناديها باسمها وتتجاهل الأكل وترفض اللعب، إلى أن تمسك بهاتف ذكي ويكون موصولا بالأنترنت، فهي تميز ذلك!
قد لا يدرك الوالدان مدى الخطر الذي يعرضان الطفلة له، هما سمعا كثيرا عن الدراسات التي تنبه إلى أن الهاتف الذكي يشكل خطرا على الطفل ونموه، لكنهما لا يعرفان كيف ذلك؟
الدكتورة آن ليس دوكاندا، المختصة في أحد مراكز رعاية الأم والطفل بباريس، لاحظت نفس أعراض ملَك على طفل يبلغ من العمر 3 سنوات، أتت به والدته لإجراء فحوص عادية في المركز. تقول الدكتورة إن عدد الحالات التي تزورها في المركز كثيرة، وكلها تعاني من تأثير الهواتف الذكية على الطفل بشكل مباشر. إذ يبدأ الأبوين بملاحظة ردود فعل غريبة على أبنائهم، مثل الصراخ المستمر والانفعال وعدم التفاعل مع العالم الخارجي.
نتائج إبعاد الهواتف الذكية عن الطفل خلال فترة العلاج تكون مضمونة وملموسة، بحسب الدكتورة، إلا أنها تحاول عدم إدانة الآباء الذين هم في الأغلب غير مدركين لخطورة الشاشات على الأطفال.
لماذا يفضل الهاتف على ألعابه؟
لا يجد الأطفال أي صعوبة في الدخول على "يوتيوب" واختيار الفيديوهات التي يرغبون بمشاهدتها، وهي غالبا تكون مخصصة لسنهم، إما أغانٍ أو مسابقات، وفي بعض الحالات يمتنع الطفل حتى عن الأكل، إلا خلال السماح له بمشاهدة أحد الفيديوهات. تقول دوكاندا إن الطفل يمكنه أن يهمل بصعوبة الألعاب المخصصة لكنه لا يفعل عندما يتعلق الأمر بألعاب على الشاشة، وإن لم يوقفه أحد فلن يتوقف.
وتوضح الطبيبة المختصة أن الأمهات تجبن غالبا بـ"نعم" عندما تطرح عليهن السؤال "هل تمسكين بهاتفك وأنت ترضعين طفلك أو عندما تجعلينه يخلد للنوم؟".
لا توجد دراسات في فرنسا تعرف ما الذي يجري في دماغ الطفل عندما يمسك بالهاتف، لدى توجب على طاقم برنامج "المحقق الخاص" الذي تبثه القناة الفرنسية الثانية التوجه إلى الولايات المتحدة للإجابة على السؤال. أجرت منظمة الصحة الوطنية دراسة في 21 مركز في أمريكا، وبدأ الباحثون باستجواب أطفال تصل أعمارهم إلى غاية 10 سنوات، وعددهم يزيد عن 11 ألف طفل لمدة عقد من الزمن، وأوضحت أن تأثير الشاشات الذكية على الأطفال يشبه تأثير الماريجوانا والمخدرات.
نشر تريستان هاريس، مدير سابق في غوغل، مقالا يثبت فيه أن مبتكري الشاشات والتطبيقات يعتمدون خلال صناعتهم، عمدا، على جذب انتباه الأطفال. مشيرا إلى أن مهندسي الشركة وهم يبتكرون تطبيقاتهم يجتهدون حتى يدمن الأطفال الصغار عليها، فهنا يكمن نجاحهم.
أظهرت الفحوصات أن الأطفال الذين لا تصل أعمارهم إلى السنتين يتأثرون أكثر من المراهقين، لأن ما يتعلمونه يرسخ في أدمغتهم ومن الصعب جدا تغييره. وأجرى طاقم طبي التجربة على 15 طفل أعمارهم أقل من ثلاث سنوات، قاموا بإعطائهم لعبة في البداية عبارة عن قيثارة بلاستيكية وفي المرة الثانية لوحة ذكية، ثم ألواحا عليها ألعاب تكافئ الطفل عند فوزه، بصور وألوان تشد انتباهه.
كان الطاقم الطبي يطلب استرجاع الألعاب من الأطفال وفي حين أن 66 بالمئة من الأطفال كانوا يرجعون القيثارة واللوح الذكي الأول، 45 بالمئة فقط هي التي كانت تقبل بإرجاع اللوح الذي يكافئ الطفل في آخر اللعبة.
الدكتورة جينك توينغ، وهي بروفيسورة علم نفس، قالت بعد 4 سنوات فقط من طرح الآيفون للبيع في الأسواق سنة 2007، مؤشرات الوحدة والاكتئاب زادت بشكل ملحوظ عند المراهقين، بل وأيضا حالات تعريض النفس للأذى بأدوات حادة تضاعفت بين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 سنة بنسبة 3 أضعاف في أمريكا.
التطور العضوي
كيف تؤثر الشاشات على التطور العضوي للدماغ وتطور المشاعر والصحة العقلية؟
غاري سمول، أخصائي في الأمراض العصبية، أجرى دراسات عديدة عن العلاقة بين الدوبامين والهواتف الذكية، ويعلم لماذا لا نتوقف عن تصفحها. وجد سمول أن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي تفرز الدوبامين، وهو هرمون المتعة، وكلما كانت نسبة الإفراز أعلى كلما زاد الإدمان، تغذي هذه الإفرازات منطقة المكافأة في الدماغ. يريد الأشخاص اكتشاف كل ما هو جديد، فذلك يجعل الدماغ يحس بالإثارة ثم يجعله يفرز الدوبامين.
الدكتورة كارا باغوت، مفتشة في المنظمة الوطنية للصحة، أجرت بحثا بقيمة 300 مليون دولار، للإجابة على سؤال "ما هي المناطق من الدماغ التي تشتغل عندما تكون بصدد تصفح الهاتف الذكي؟". قام الباحثون بإعطاء هاتف ذكي لمراهقة وفتحوا عليه حسابها على انستغرام، وجعلوها تتصفحه وهي تحت مراقبة أجهزة مسح بالأشعة، لمعرفة مناطق الدماغ التي تتفاعل في تلك الأثناء.
الصور التي يخزنها المخ في القشرة الجبهية يصيبها التلف مع طول استعمال الهواتف.
وحتى نكون أكثر دقة فإن القشرة الدماغية هي التي تتأثر من هذا الجهاز، والقشرة هي المسؤولة عن وظائف معقدة مثل اللغة والذاكرة والتفكير والوعي، والتحكم في الحركة، والأجهزة الذكية تجعلها رقيقة قبل الأوان، وأوضح الباحثون أن فقدان القشرة مرادف لعملية "الشيخوخة".
ماذا يحدث داخل دماغ الطفل؟
أول المعلومات تم الحصول عليها بعد المسح بالأشعة لدماغ 45 ألف مشارك والنتائج كانت مستفزة لبعض الدكاترة من منظمة الصحة الدولية، نتائج الفحص كشفت عن اختلافات واضحة في أدمغة الأطفال الذين كانوا يستعملون هواتف ذكية أو ألواح ذكية وألعاب الكترونية لمدة 7 ساعات في اليوم. وعند إخضاعهم لمسح بالأشعة تم اكتشاف نضج سابق لأوانه في المنطقة المسؤولة عن التفكير في أدمغتهم.
الدراسة أثبتت أيضا، أن الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين أمام الشاشات لا يحصلون على علامات دراسية جيدة خاصة في مواد اللغات.
الدكتور ديميتري كريستاكيس من المعهد الأمريكي لأطباء الأطفال ينصح الآباء الذين يتراوح عمر أطفالهم بين 18 و24 شهر أن يتجنوا اتصال أطفالهم بأي شاشات إلا في حال وجود اتصال مصور الذي لا بد من ظهور الطفل فيه. ويوضح أن تعلم الطفل من الميديا ليست له أي علاقة بالواقع، فالطفل الصغير لا يتمكن من نقل المعرفة من عالم افتراضي ببعدين إلى عالم واقعي بأبعاد ثلاثية.
إذا منحنا للطفل فرصة اللعب بلعبة على الشاشة، فلن يتمكن من التعامل مع نفس اللعبة في الواقع، وعليه أن يعيد تعلم التعامل معها من البداية، فهو لا يتمكن من نقل تلك المعرفة التي اكتسبها من جهاز ذكي أو عبر شاشة إلى أرض الواقع.
في الصين، تم إجراء مسح للدماغ على حوالي 15 مراهقًا يعانون من إدمان الإنترنت. في أدمغة الشباب الخمسة عشر ظهرت مناطق حمراء يختلف حجمها من صورة دماغ شخص لآخر، وهي ممرات دماغية ضيقة. يدل اللون الأحمر في الصور أن جريان سائل الدماغ ضعيف في هذه المناطق ويعني ذلك تباطؤ التواصل بين باقي أجزاء الدماغ. أما انقطاعه فمن أعراض التوحد أو الاضطراب ثنائي القطب.
حتى مع معرفة هذه المخاطر، هل من الصعب جدا أن تتوقف؟
يشرح غاري سمول، دكتور الأعصاب والدماغ أن "الفص الجبهي في الدماغ بحاجة مستمرة إلى الدوبامين، وبما أنه هو نفسه المسؤول عن اتخاذ القرارات فإنه لا يستطيع ذلك حتى وإن قال الشخص البالغ "هذا يكفي يجب أن تتوقف لأن ذلك يفسد حياتي".