عبد علي اليعقوبي.. معمم عراقي تحتضنه إيران ويدفع مريديه للانتحار

يوسف العلي | منذ شهر واحد

12

طباعة

مشاركة

“عبد علي” زعيم جماعة دينية شيعية تدّعي أن الصحابي علي بن أبي طالب، هو الإله، وبالتالي تقدّم له القرابين البشرية من أتباع هذا الفكر، وذلك عبر الاقتراع فيما بينهم لمن يكون "القربان"، وهو ذاته الاسم الذي يطلق على معتنقي هذه الأفكار، وجلهم من قليلي التعليم.

الجماعة التي يقودها "عبد علي" بدأت في البصرة جنوب العراق خلال مرحلة تسعينيات القرن العشرين، وتنامت بعد الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، وخلال الأعوام العشرة الأخيرة تقريبا بدأت تتوسع في مناطق وسط وجنوب البلاد، ذات الغالبية الشيعية.

"الشيخ المُولى" 

عبد العظيم صاحب، والاسم الحركي المتعارف عليه هو، عبد علي منعم اليعقوبي والملقب بـ"الشيخ المُولى"، عراقي الأصل هرب إلى إيران ودخل حوزة قم وغير لقبة إلى الحسني، بمعنى الانتساب إلى آل بيت نبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

عبد علي اليعقوبي البالغ من العمر نحو 70 عاما ولد في مدينة السماوة جنوب العراق، كان عضوا في حزب الدعوة الإسلامية الشيعي، ثم فرّ من العراق إلى الكويت بعدما حكمت عليه السلطات العراقية بالإعدام سنة 1980، لأسباب غير معلومة، والتي يعتقد البعض أنها بسبب انتسابه إلى حزب محظور في حينها، ثم انتقل بعدها إلى إيران.

‏بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 عاد للعراق، لكنه لم يُحقق ظهورا كبيرا مثل أقرانه الآخرين، فترك حزب "الدعوة"، وأسس مدرسة دينية قائمة على الغيبيات والتفسيرات الخاصة به لنصوص الشريعة، وانتهى به المطاف لإعادة فكرة الـ "العليّ إلهية"، وتكتب أيضا "العلّالهية".

‏غادر العراق مجددا إلى إيران في تاريخ غير معلوم، وذلك بعد مواجهة السلطات الأمنية العراقية "العلاّلهية" أو "القربان" بوصفها جماعة دينية "منحرفة"، مع ارتفاع حالات الانتحار الجماعي لأفرادها، على أنهم قرابين إلى "الصحابي علي بن أبي طالب" لملاقاته في الآخرة.

تشير المعلومات إلى أن اليعقوبي يسكن حاليا في مدينة مشهد الإيرانية عند مرقد ضريح علي بن موسى الرضا الذي يقدسه الشيعة في إيران والعالم، وأنه يحظى بحماية السلطات هناك، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للبلاد علي خامنئي، بحسب ناشطين.

واشتهر اليعقوبي بدعمه لأغلب الهيئات والمواكب والمنشدين الشيعة المعروفين، إذ إنه يتكفل بمعيشة التابعين له وبمسكنهم ويقوم بتجهيز كل متطلبات الجماعة، من "حسينيات" (مساجد شيعية)، الأمر الذي طرح تساؤلات عن مصادر هذه الأموال التي يبذلها على أتباعه.

ورغم أنه شخصية غامضة، لكن راجت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي نهاية شهر فبراير 2025، قيل إنها مسرّبة لزعيم جماعة "القربان" المدعو عبد علي اليعقوبي، أثناء وجوده في إيران منذ منتصف العام 2024، والتي لم يتم التحقق من صحتها.

وفي الوقت الذي يحث فيه اليعقوبي أتباعه على عدم الاعتراف بالتقليد (اتباع مراجع الدين الشيعة) وأنه أمر باطل، لكنه يقيم في إيران التي تعتمد على نظام الولي الفقيه، أي حكم المرجع الديني.

مبتدع الانتحار

ما جذب الأنظار إلى جماعة "القربان" أخيرا، واستدعى مطاردتها من القوات الأمنية العراقية، هو دفع اليعقوبي لأتباعه بالانتحار، إذ انتحر أكثر من 90 شخصا خلال 2023 و2024، بعضها كانت جماعية، ضمن طقوس خاصة، وتنشط في المناطق العشوائية والفقيرة والتي تكثر فيها نسبة الجهل والأُمية.

‏تنتهج الجماعة فكرة الانتحار كـ"قرابين"، إلى من يعتقدون أنه الإله وهو (علي بن أبي طالب)، وذلك من أجل اللقاء معه في الآخرة، إضافة إلى العمل على تسريع علامات قيام الساعة.

‏رغم ملاحقة الأمن العراقي لهم واعتقال العشرات خلال الفترة الماضية، لكن الحركة تتسع، ويؤمنون أن مرشدهم الروحي "عبد علي"، الأمر الذي استدعى زعيم التيار الصدري متقدى الصدر لمطالبة إيران بتسليم كل من هرب إليها من أتباع هذه الجماعة.

طالب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عبر بيان له في 18 فبراير، السلطات الإيرانية بتسليم أفراد الجماعة الفارين إلى الحكومة العراقية، معتبرا أن المجموعة "المنحرفة" تتلقى دعما خارجيا.

وقال الصدر، إن الحركة تشكلت "نتيجة الانحطاط الثقافي والعقائدي وفيها ميول للدنيا وجمع المال والأنصار من أجل منافع دنيوية بغض النظر عن النتائج الدينية".

وأضاف: "الطامة الكبرى هي استخفافهم بعقول الشباب وأمرهم بالانتحار المحرم (...) فإلى نار جهنم وساءت مصيرا (...) ولن ينال الحق من انتحارهم شيء وليس ذلك إلا جهلا ومعصية الله ولرسوله ولوصيته".

وشدد على أنه على "الجميع فضحهم والتبليغ عنهم وعدم مساندتهم، بل مقاطعتهم حتى بالمأكل والمشرب (...)"، لافتا إلى أنه "حسب فهمي فإن مثل هذه الحركات مدعومة من الخارج". وناشد إيران "تسليمهم إلى الحكومة العراقية لمعاقبتهم، بأسرع وقت ممكن".

ومعظم من أقدم على الانتحار من المنتمين للجماعة، تركوا رسائل مكتوبة أفادوا بها بأنّهم "قرابين للإمام علي بن أبي طالب"، إذ إن الحركة تملك تنظيما "سريا" وقنوات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتُقدّر السلطات الأمنية أعدادهم حاليا بالآلاف ينتشرون في مناطق جنوب العراق.

وسجلت مدن ذي قار والمثنى والنجف وبابل والبصرة جنوب العراق، خلال الأشهر الماضية، عمليات انتحار جماعية لعدد من أفراد الجماعة ضمن طقوس معينة ومتطرفة في إيذاء الجسد، فقد جرت عمليات الانتحار داخل المنازل وبعض الجوامع التي يتخذونها مقارّ لهم. 

وبلغ عدد من تم اعتقالهم أكثر من 200 شخص خلال الأشهر الماضية (نهاية 2024 ومطلع 2025)، لكن بعضهم اختفوا من المشهد بعدما كانوا يقيمون أنشطة عامة في الأسواق والتجمعات العامة.

"فكر تكفيري"

يحمل عبد علي، فكرا يكفّر فيه كل من يخالفه، ويغذّي به أتباعه من جماعة "القربان" الأمر الذي تسبّب في اضطرابات اجتماعية وأمنية بمحافظات جنوبي العراق، رغم الخديعة الواضحة لأتباعها في العقيدة التي تستهدف أتباع المذهب الشيعي.

ففي الوقت الذي تقنع هذه الجماعة الفئة الشابة بأنهم يحبون الحسين بن علي بن أبي طالب، ويؤيدون الشعائر الشيعية باللطم وتوزيع الطعام في ذكرى استشهاده، لكنها تنقلب عليهم بعدما يعتنقون فكرهم.

وأول ما يقدمون عليه بعدها هو نفي وجوده هو وذرية الصحابي علي بن أبي طالب، ويقولون لهم إنه هو الإله الذي لم يلد ولم يولد، وأنه هو الرازق والخالق، ولا يوجد شيء اسمه آل بيت النبوة، وكذلك لا وجود للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

وتستهدف هذه الجماعة فئة الشباب وغير المتعلم بالمناطق الفقيرة، لأنهم الأسهل إلى تقبل الفكرة من المتعلمين الذين ينقلبون عليهم وربما يبلغون السلطات الأمنية عليهم، حسب اعترافات بعض أتباعهم المعتقلين التي عرضتها الفضائيات العراقية في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

وتتبع هذه الجماعة السرية في الدعوة إلى فكرها، إذ إن الفرد المنتمي للمجموعة لا يعرف أحدا سوى الشخص الذي أتى به، وهذا بدوره يعرف الشخص الذي أتى به أيضا وهكذا.

ويتسبب هذا التكتيك بمشكلة للأجهزة الأمنية، لأن اعتقال أي عضو في المجموعة لن يؤدي لنتائج فعالة على مستوى باقي أفراد المجموعة، بالتالي عادة ما تكون عمليات الاعتقال مقتصرة على شخص أو اثنين على أكبر تقدير.

ونقلت قناة "الحرة" الأميركية عن مصدر استخباراتي عراقي (لم تسمه) في 20 يوليو/ تموز 2024، فإنه "لدى المجموعة قنوات خاصة مغلقة على تلغرام يجرى فيها الإعلان عن موعد القرعة المتعلقة باختيار الأشخاص الذي سيضحون بأنفسهم".

ويؤكد المصدر الاستخباراتي أن "أفراد المجموعة عادة ما يجتمعون في مكان محدد بشكل سريع ويجرون القرعة وبعدها يمارسون طقوسا معينة تتمثل في قراءة بعض الأدعية الدينية وإشعال الشموع وكأنهم يقومون بزفاف الشخص الذي وقعت عليه القرعة للجنة، وبعدها ينتحر الذي وقع عليه الاختيار عبر شنق نفسه من دون مساعدة أحد في أغلب الأحيان".

ورغم الحديث عن وجود زعيم هذه الحركة في إيران، وأن اسمه وصورته باتت معروفة على مواقع التواصل الجماعي، لكن السلطات العراقية لم يصدر عنها حتى 23 فبراير 2025، أي تعليق بخصوص حقيقة زعامة هذه الشخصية لجماعة "القربان" والمكان الذي يوجد فيه حاليا.