"إصلاح" تخصص الدراسات الإسلامية في المغرب.. تجويد أم طمس للهوية؟

حرب الفرنكفونيين والعلمانيين بالمغرب على المرجعية الإسلامية ومعالمها مستمرة، وتأخذ أشكالا متعددة، ومنها استهداف "تخصص الدراسات الإسلامية"، من طرف وزير التعليم العالي، عبد اللطيف الميراوي، ذي الجنسية الفرنسية، والمنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، المعروف بمعاداته للمرجعية الإسلامية.
ويسعى الوزير إلى فرض ما أسماه "برنامجا إصلاحيا" على "تخصص الدراسات الإسلامية" في الجامعات، دون إشراك للمتخصصين في المجال والذين حذروا من "طمس الهوية المعرفية للشعبة".
ومن ضمن هذه الإصلاحات، إضافة مواد من تخصص آخر بساعات أكثر بعيدة عن تخصص الدراسات الإسلامية، وتقليص ساعات مواد متعلقة بالشؤون الدينية.
وأصدر الوزير تعليمات لتنفيذ "البرنامج الإصلاحي" وفق رؤية الوزارة بدءا من الدخول الجامعي الجديد، دون اكتراث لموقف وملاحظات أساتذة شعب الدراسات الإسلامية في مختلف الجامعات، ما ينذر بتوتر بين الطرفين.
طمس للهوية
وأصدرت "الشبكة الوطنية لشعب الدراسات الإسلامية" بيانا تستنكر فيه الإصلاحات التي يريد وزير التعليم العالي فرضه على الشعب، دون مشاركة رجالاتها في هذا الإصلاح.
وذكرت الشبكة في بيان نشرته في 16 أغسطس/آب 2023، أنه سبق لها أن وجهت رسالة إلى وزير التعليم العالي في 27 يوليو/تموز 2023، تنتقد فيها عدم إدراج تعديلاتها على المشروع الجديد لإصلاح شعب الدراسات الإسلامية وخاصة ما سمي "الجدع الوطني لشعب الدراسات الإسلامية".
وجددت الشبكة، انتقادها للوزارة لـ"عدم إشراك الأساتذة المُمارسين لبناء رؤية وصياغة شاملة لإصلاح الشعبة"، معتبرة ذلك "إضرارا بمستقبل الجامعة المغربية".
ورأت الشبكة أن ما جاء به الوزير "ليس إصلاحا بل هو أقرب إلى إقصاء لا تُعرف دوافعه ولا تُؤمن عواقبه"، وأنه "طمس للهوية المعرفية للشعبة".
ولفت البيان إلى غياب المنهجية التشاركية في تدبير الإصلاح برمته، بافتراض أن الوزارة الوصية لم تستشر شعب الدراسات الإسلامية في أي خطوة من خطوات إعداد وثائق الإصلاح المتعلقة بهذه الشعب".
فيما قال موقع "اليوم 24" المحلي، إن وزير التعليم العالي رفض استقبال وفد من "الشبكة الوطنية لشعب الدراسات الإسلامية"، الأمر الذي أزم الوضع بين الطرفين،
وأشار الموقع في 16 أغسطس 2023 إلى أن المسؤول الحكومي أصدر تعليماته لتنفيذ الإصلاح كما وضعته الوزارة، بدءا من الدخول الجامعي المقبل 2023/2024، دون اكتراث لموقف الشبكة، ما ينذر بتوتر بين الجانبين.
وسبق لوزير التعليم العالي، أن وعد خلال جلسة سابقة بمجلس النواب، بأن يحمل الموسم الجامعي 2023/2024 مفاجآت كبيرة على مستوى نظام الإجازة الذي سيتم تحديثه بالكامل.ظ
فيما نقل موقع "هسبريس" المحلي في 30 مايو/أيار 2023، أن ميراوي قال ردا على سؤال للفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية (معارض)، إن "الوزارة تعتمد في إصلاحها البيداغوجي (التربوي) الجديد على تأهيل الطلبة في مجال الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وهي المجالات التي تأخر فيها المغرب لمدة عشر سنوات".
وتحدث المسؤول الحكومي عن "اتجاه الوزارة الوصية إلى ربط الجامعة بسوق الشغل، من خلال تحديث نظام الإجازة، عبر وضع اتفاقيات مع عديد من الوزارات الأخرى، في مقدمتها الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة".
طمس للهوية
وفي تفاعله مع قرارات ميراوي وبلاغ الشبكة، تساءل الباحث الأكاديمي وعضو الهيئة العلمية لمركز المقاصد بالرباط، محمد عوام، عن "ما يريده الوزير ميراوي ذو الجنسية الفرنسية من شعبة الدراسات الإسلامية في إصلاحه الجديد؟".
وأضاف عوام لـ"الاستقلال"، "هل يريد طمس الهوية العلمية للدراسات الإسلامية أم هو في حرب على الثوابت الدينية للأمة المغربية؟".
وقال الباحث الأكاديمي، إن "عدم إشراك ميراوي لأساتذة الدراسات الإسلامية في المنظور الإصلاحي لشعبة الدراسات الإسلامية، يبين عدم اكتراث الوزير بالكوادر الجامعية في المشاركة لبلورة تصور صحيح حول إصلاح الشعبة".
وأردف عوام، أن "هذا يعني أن هناك نية مبيتة لوزارة ميراوي ترمي للقضاء على الجانب العلمي الذي ترسخ في هذه الشعبة منذ تأسيسها، وإغراقها في متاهات بعيدة عنها وعن تخصصها، مما يجعل المتتبع يتساءل عن مصداقية المحافظة على هوية المغرب وثوابته".
واسترسل المتحدث ذاته، "أليس ذلك ضربا من خلف لإمارة المؤمنين وإسلامية الدولة الثابتة بنص الدستور؟".
وتابع: "نرى أبعد من كل هذا، ونحذر من عواقبه الوخيمة، وهو أن إفراغ شعبة الدراسات من محتواها العلمي الأصيل، معناه استدعاء كل ما هو دخيل، ودفع طلبة العلم وغيرهم ليتلقوا دينهم عبر المواقع المملوءة بالكوارث، مما ينتج عنه تشكيل عقولهم عبر شبكات مواقع التكفير والداعشية البغيضة".
وأضاف عوام، وذلك "بدل أن يتلقوا العلم عن علماء الشريعة والدراسات الإسلامية، المشهود لمعظمهم بالكفاءة العلمية والمهنية والتربوية والبيداغوجية، وأكثرهم يتعاونون مع وزارة الأوقاف بالخطب والوعظ والإرشاد، وبعضهم أعضاء في المجالس العلمية، سواء المحلية منها أو الأعلى".
وحذر عوام الدولة المغربية من "التيار العلماني المتطرف، وأبناء فرنسا الموالين لها، من هذه الخطوات الهوجاء غير المنضبطة، التي تفضي إلى ما لا تحمد عقباه في قادم الأيام، بإنشاء جيل فاقد الهوية، غير مكترث بالثوابت، والذي سيكون وبالا على الجميع".
وقال عوام إن "القائمين خلف ما يقع، إن كانوا يظنون أنهم سيقضون على الحركة الإسلامية بتجفيف منابع الدراسات الإسلامية والشريعة، فهم واهمون، إن لم أقل بلداء، لأن شعبة الدراسات الإسلامية لا علاقة لها بالحركة الإسلامية، ومعظم طلابها لا علاقة لهم بالحركة الإسلامية، فلماذا هذه الحرب على الشعبة ومقومات الأمة المغربية؟".
وأضاف: "إني لأستغرب ممن يحمل جنسية فرنسية، يريد أن يفرض رأيه على الأمة المغربية، بإلغاء ما هو من صميم ثوابتها ووجودها ومقوماتها الحضارية، فيعاكس بذلك الإرادة الملكية وما عليه المغاربة قاطبة، فيتصرف كأنه يتصرف في ملك أبيه أو أجداده، دون أي تقدير للأمة وعلمائها".
وشدد عوام على أنه "لهذه الأسباب، ينبغي إيقاف هذا الفساد وليس ما يقال بأنه إصلاح، وفتح باب الحوار مع شعب الدراسات الإسلامية، بدل عدم استقبالهم من قبل الوزير".
وإن لم يقع أي شيء من هذا، يردف الباحث الأكاديمي، فما "على شبكة شعب الدراسات الإسلامية في نظري إلا أن توجه خطابا لأمير المؤمنين (الملك محمد السادس)، وتطلب منه التحكيم".
صراع حقيقي
بدوره، قال أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة "شعيب الدكالي" في مدينة الجديدة، فؤاد بلمودن، إن "عدم إقرار وزارة التعليم العالي للتعديلات المقدمة من قبل شبكة شعب الدراسات الإسلامية حول الجذع المشترك الوطني، وإصرار الشبكة في بيانها على عدم تبني وجهة نظرة الوزارة كليا، نكون أمام صراع حقيقي".
وأوضح بلمودن في مقال رأي نشره عبر موقع "منار الإسلام" المغربي في 16 أغسطس 2023، أن هناك ثلاثة اتجاهات في التنظير لـ"شعبة الدراسات الإسلامية".
الاتجاه الأول، تقليدي إلحاقي يتماهى مع خطاب وزارة الأوقاف، ويرغب في إلحاقها بالوزارة على غرار المؤسسات الجامعية التابعة للأوقاف، ومرجعه محاضرة وزير الأوقاف بكلية الآداب بالرباط قبل سنوات.
أما الاتجاه الثاني، فهو اتجاه حداثي يرغب في إلحاقها بالدراسات الفلسفية لتشكيل نموذج لما يسمى بالإسلاميات النقدية أو الإسلاميات التطبيقية، ومرجعه النموذج الفرنسي الأركوني بجامعة السربون.
أما الاتجاه الثالث، فعلمي أكاديمي، يرغب في الحفاظ على الهوية العلمية للشعبة من خلال انتمائها لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ومن خلال الامتدادات التاريخية لجامعة القرويين في تدريس العلوم، بحيث تقوم على تدريس العلوم الإسلامية الشرعية والعقلية واللغوية، برؤية منهجية معاصرة منفتحة على المعرفة الإنسانية.
وقال أستاذ الفكر الإسلامي، إن هذا الاتجاه الأخير، هو الذي عبر عنه عدد من الأساتذة المؤسسين للشعبة بالمغرب، ومنهم بلبشير الحسني ومحمد الكتاني ومحمد خروبات وغيرهم في كتاباتهم.
واسترسل، وهو الاتجاه الأساسي الذي يتبناه أغلب أساتذة الدراسات الإسلامية، لكن الاتجاهين السابقين هما الأقوى "صوتا وصولة"، فالأول تتبناه وزارة الأوقاف والثاني تتبناه وزارة التعليم العالي.
وخلص بلمودن، إلى أنه "بين صراع مؤسستين رسميتين تقف الدراسات الإسلامية بالمغرب بأساتذتها وشعبها في حالة تخبط وانتظار، في ظل منظومة تربوية فوقية وغير ديمقراطية، لا تحترم رأي التربوي المتخصص، وتعطل مسيرة الإصلاح التربوي ومراميه التنموية على حساب المنظورات الضيقة".
أزمة بنيوية
وسبق لـ"شبكة شعب الدراسات الإسلامية" بالجامعات المغربية أن راسلت وزير التعليم العالي بمقترحاتها، وفق ما ذكرت في بيان صدر مطلع أغسطس 2023.
وفي هذا الصدد، أكد الكاتب العام للنقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي، محمد بنجبور، أن "مراسلة الشبكة تختصر أزمة الإصلاح التربوي في سياق المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، الذي يبشر به وزير التعليم العالي".
وقال بنجبور لموقع "مدار21" المحلي في 2 أغسطس 2023، إن المراسلة هي أيضا "دليل أزمة بنيوية مركبة، طالت التعليم العالي".
وسجل المتحدث ذاته، أن المراسلة "تجسد من جهة أزمة تدبير وإدارة الوزير لملف الإصلاح البيداغوجي على مستوى الرؤية والمنهج والتنزيل، ومن جهة أخرى تعد عنوانا لأزمة العلاقة مع الفاعلين والهياكل الجامعية، المفروض فيها أن تبنى على الثقة والوضوح والقانون".
ويرى الكاتب العام لنقابة التعليم العالي، أن موقف شعب الدراسات الإسلامية المضمن في المراسلة، يعد "حلقة جديدة في سلسلة طويلة من مواقف الرفض العام داخل الجامعات العمومية، يندرج في سياق حالة الاحتجاج والتنبيه العام على الانعكاسات السلبية للإصلاح".
وهو الوضع "الذي نبهت عليه النقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي، كما نبهت إلى ما يمكن أن يترتب عنه من تداعيات جميع الشعب بالجامعات المغربية"، وفق المتحدث.
وأوضح بنجبور أن "الشعب هي الحاضنة البيداغوجية للتكوينات بالتعليم العالي، والإطار الجامع للأساتذة الباحثين، والمخولة أكاديميا وعلميا وقانونيا بتدبير وتخطيط مضامين التكوينات البيداغوجية، تقديرا للاختصاص".
وشدد على أن "هذا الأسلوب المغلق في الإصلاح غير سالك، أدى إلى طريق مسدود، وأفرز وضعية الاحتقان والتوتر والتي ما زالت آثارها تتفاعل في الأوساط الجامعية، وسيراكم الارتباكات التي كانت قدرا لازما للإصلاحات بالتعليم العالي".
وخلص بنجبور، إلى أن "إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي، يحتاج قدرا كبيرا من الجدية في التفكير والتخطيط والتنزيل، بعيدا عن المظاهر المزيفة والشعارات المغشوشة، والالتجاء إلى طرق ملتوية وغير قانونية في إقرار الإصلاح وتنزيل مقتضياته".