وسط صراع إقليمي وتحديات داخلية.. إلى أين يتجه العراق في عهد علي الزيدي؟

الزيدي أمامه جملة من التحديات الكبيرة تضع حكومته على المحك
يواجه رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي حزمة معقدة من التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل ظرف إقليمي بالغ الحساسية، تزامن مع اندلاع الحرب بين الحليفين الرئيسين للعراق، الولايات المتحدة وإيران، في 28 فبراير/شباط 2026.
وفي 27 أبريل/نيسان، كلّف الرئيس العراقي نزار آميدي علي الزيدي رسميًا بتشكيل الحكومة، بعد توافق قوى "الإطار التنسيقي" عليه مرشحًا للكتلة الأكبر، وذلك عقب انسحاب عدد من المنافسين البارزين، في مقدمتهم محمد شياع السوداني ونوري المالكي وحيدر العبادي.

التحدي الأكبر
يُعدّ ملف الفصائل المسلحة على رأس التحديات التي تواجه رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي، في ظل ضغوط أميركية متصاعدة لتفكيك هذه التشكيلات، لا سيما تلك المرتبطة بإيران.
وقد رصدت الولايات المتحدة مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى شخصيات مطلوبة من قادة هذه الفصائل.
ومنذ منتصف أبريل/نيسان، أعلنت واشنطن عن مكافآت بحق قادة بارزين، من بينهم أبو حسين الحميداوي زعيم "كتائب حزب الله"، وأبو آلاء الولائي، وحيدر الغراوي، على خلفية اتهامات تتعلق بـ"قتل عراقيين واستهداف منشآت دبلوماسية وقواعد عسكرية أميركية في العراق وسوريا".
ورغم هذه الاتهامات، شاركت الفصائل الثلاث في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ونجحت في حصد مقاعد داخل البرلمان، إذ انضوى نواب الولائي ضمن ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، بينما التحق الغراوي بتحالف "الإعمار والتنمية" برئاسة محمد شياع السوداني، في حين تمثل "كتائب حزب الله" عبر كتلة "حقوق".
وبحسب النائبة عالية نصيف، فإن هذا الملف يشكل التحدي الأبرز أمام الزيدي، مؤكدة أن بقية الملفات يمكن التعامل معها، لكنها أشارت إلى أن رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واجه توترا في علاقته مع واشنطن بسبب رفضه استهداف هذه الفصائل.
وفي موازاة ذلك، يواجه الزيدي تحديًا داخليًا آخر يتمثل في مطالب القوى السياسية السنية والكردية بضرورة تحقيق توازن وطني في توزيع المناصب، خاصة في المؤسسات الأمنية والإدارية الحساسة، مثل جهاز المخابرات، ووزارة الأمن الوطني، ومستشارية الأمن القومي، ورئاسة أركان الجيش، وجهاز مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، فضلًا عن عدد من الهيئات الحكومية المؤثرة.
وفي هذا السياق، ناقش "المجلس السياسي الوطني" السني، في 3 مايو/أيار، ملف تشكيل الحكومة، مشددًا على ضرورة الإسراع في إنجازها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، مع إعداد ورقة سياسية تتضمن حلولًا لمعالجة أزمات المحافظات المحررة والتحديات المتراكمة.
وتعود هذه المطالب إلى شعور متجذر لدى السنة والأكراد بالتهميش منذ فترة حكم نوري المالكي (2006–2014)، حيث يرون أن المناصب السيادية والأمنية حُصرت إلى حد كبير بيد المكون الشيعي، رغم الاتفاقات السياسية المتكررة على تحقيق توازن وطني داخل مؤسسات الدولة.

مرهون الإرادة
وفيما يتعلق بمدى قدرة رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي على التعامل مع هذه التحديات، يرى الباحث في الشأن العراقي مؤيد الدوري أن الرجل ليس خارج منظومة الحكم التي تدير البلاد منذ عام 2003، ما يجعل مواقفه وخياراته متوقعة إلى حد كبير.
وأوضح الدوري لـ"الاستقلال" أن الزيدي، بحكم طريقة وصوله إلى المنصب، يفتقر إلى قاعدة سياسية مستقلة أو تفويض شعبي مباشر، الأمر الذي يحدّ من قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة، لا سيما في الملفات الحساسة مثل سلاح المليشيات.
ورأى أن تفكيك هذه المليشيات أو إعادة ضبط التوازن داخل مؤسسات الدولة لن يكون قرارًا فرديًا، بل مرهونًا بتوافقات داخل قوى "الإطار التنسيقي"، التي يمتلك عدد من أطرافها نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا.
وأشار إلى أن القرار الفعلي في هذه القضايا لا ينفصل أيضًا عن حسابات إيران، التي تمثل لاعبًا مؤثرًا في المشهد العراقي، مؤكدًا أن أي تحرك في هذا الاتجاه يتطلب إرادة جماعية تتجاوز صلاحيات رئيس الوزراء بمفرده.
كما لفت الدوري إلى أن اختيار الزيدي يعكس توجّهًا نحو شخصية إدارية أكثر منها سياسية، مقارنة بمرشحين سابقين مثل عدنان الزرفي، الذي كان يُنظر إليه على أنه أقرب إلى الولايات المتحدة، وهو ما أثار تحفظات داخلية حالت دون وصوله إلى المنصب.
من جانبه، يرى الكاتب صباح البغدادي أن قوى "الإطار التنسيقي" تسعى إلى إبقاء القرار الحكومي ضمن دائرة التوافقات السياسية، بما يضمن استمرار نفوذها ويمنع انفراد السلطة التنفيذية بقرارات إستراتيجية قد تمس التوازنات الداخلية أو العلاقات الخارجية.
وأوضح خلال مقال نشره موقع "كتابات" العراقي في 2 مايو/ أيار 2026، أن فهم المشهد العراقي لا يكتمل دون إدراك حجم الدور الإيراني، حيث تُراقب طهران بدقة أي تقارب مع واشنطن، فيما تُقابل محاولات استقلال القرار العراقي بحسابات معقدة تتعلق بتوازن النفوذ الإقليمي.
وفي هذا السياق، تكتسب أي خطوة يقدم عليها الزيدي—سواء بقبول دعوة دونالد ترامب لزيارة واشنطن أو تأجيلها—أبعادًا تتجاوز البروتوكول، لتصبح مؤشرًا على اتجاه بوصلته السياسية في المرحلة المقبلة.
وكان ترامب قد هنأ الزيدي في 30 أبريل/نيسان، عادا تكليفه "بداية فصل جديد" في العلاقات بين البلدين، ومعبّرًا عن أمله في تشكيل حكومة "خالية من الإرهاب"، مع توجيه دعوة رسمية له لزيارة واشنطن عقب تشكيل الحكومة.
في المقابل، يحذر البغدادي من أن تعقيدات المشهد السياسي، وتشابك المصالح الداخلية والخارجية، قد تعرقل مسار تشكيل الحكومة، مشيرًا إلى أن الخلافات لم تعد تقتصر على توزيع المناصب، بل تمتد إلى طبيعة التوجهات السياسية للحكومة المقبلة.
وخلص إلى أن استمرار هذا الانسداد قد يدفع الزيدي إلى إعادة تقييم موقفه، بما في ذلك احتمال الاعتذار عن التكليف، إذا ما وجد نفسه غير قادر على تشكيل حكومة تحظى بقبول داخلي ولا تصطدم برفض خارجي.

جدار سميك
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب العراقي لقمان البرزنجي أن التحديات التي تواجه رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية، التي تجعل من العراق ساحة توازنات وصراعات مفتوحة.
ويشير البرزنجي إلى أن الزيدي يواجه على المستوى الداخلي "جدارًا سميكًا" من العقبات، في مقدمتها نظام المحاصصة السياسية الذي ترسخ عبر سنوات، حيث ترى القوى والأحزاب أن نفوذها أو استحقاقها الانتخابي يمنحها حق السيطرة على مفاصل الدولة.
ويؤكد خلال مقال نشره موقع "صوت الأمة العراقية" 1 مايو/ أيار 2026 أن محاولة تجاوز هذه المعادلة قد تعرّض الحكومة لخطر السقوط المبكر، في حين أن الخضوع لها يعني إعادة إنتاج نموذج حكومي ضعيف، خاضع للولاءات الحزبية الضيقة.
كما يلفت إلى أن الشارع العراقي يعيش حالة ترقب مشوبة بالشك، نتيجة اتساع الفجوة بين المواطن والسلطة، في ظل تراكم الإخفاقات في ملفات الخدمات والفساد. وهو ما يضع الزيدي أمام تحدي تقديم خطوات سريعة وملموسة لاستعادة الثقة، رغم القيود التي تفرضها بنية إدارية مترهلة وموارد مالية مضغوطة.
وفي الجانب الأمني، يبرز ملف السلاح المنفلت كأحد أكثر القضايا حساسية، إذ إن فرض هيبة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يتطلب مواجهة مع قوى تمتلك نفوذًا ميدانيًا وتمثيلًا سياسيًا، ما يجعل أي تحرك في هذا الاتجاه محفوفًا بمخاطر اختلال التوازن الداخلي.
أما على الصعيد الخارجي، فيؤكد البرزنجي أن العراق يقف في قلب تجاذبات إقليمية معقدة، ما يضع الزيدي أمام اختبار دقيق في إدارة العلاقات بين إيران والمحيط العربي، خصوصًا دول الخليج.
ويرى أن تحقيق توازن يحفظ السيادة العراقية دون الدخول في صدام مع طهران، وفي الوقت ذاته يعيد العراق إلى محيطه العربي، يمثل مهمة دبلوماسية شديدة التعقيد.
وفي موازاة ذلك، تظل العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب ملفًا ضاغطًا، لا سيما فيما يتعلق بالوجود العسكري والتعاون الأمني والاقتصادي.
ويجد الزيدي نفسه مطالبًا بالتوفيق بين ضغوط داخلية تدعو إلى إنهاء الوجود الأجنبي، وحاجة الدولة إلى الدعم الدولي والتقني، وتفادي تداعيات العزلة أو العقوبات، وفق الكاتب.
ويخلص البرزنجي إلى أن مجمل هذه التحديات يضع الزيدي أمام معادلة دقيقة، تتطلب إدارة متوازنة وحذرة، في ظل بيئة داخلية معقدة ومحيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب.

















