محاولة اختطاف أم فرض للتطبيع؟.. تشكيك واسع في رواية إسرائيل حول رحلة "فلاي دبي"

شدوى الصلاح | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في قمرة قيادة مغلقة على ارتفاع 34 ألف قدم، تحولت رحلة روتينية لشركة فلاي دبي من دبي لـ “تل أبيب” إلى ساحة صراع عنيف كاد يودي بحياة 174 راكباً؛ حادثة غامضة ومثيرة للجدل شهدت فك شفرات استغاثة دولية وانتهت بهبوط اضطراري تاريخي في أراضي المملكة السعودية.

أكدت شركة فلاي دبي أن رحلتها رقم FZ 1073 العاملة بين مطار دبي الدولي وبن غوريون في تل أبيب تعرضت في 30 سبتمبر/أيلول 2026، لحادث تمثل في وقوع مشادة داخل قمرة القيادة أثناء تحليقها. 

وأضافت أنه تم تأمين الطائرة بنجاح بواسطة طاقم فلاي دبي العاملين والموجودين على الرحلة، والذين قاموا بتحويل مسار الطائرة والهبوط بها بسلام في مطار تبوك بالسعودية. وقالت: إن جميع الركاب وأفراد الطاقم بخير، وقد تم تسيير طائرات بديلة لنقلهم. الأسباب والدوافع وراء هذا الحدث لا تزال غير معروفة وتخضع لتحقيق رسمي، ونحثّ الجميع على تجنب التكهنات المبكرة".

وزعم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن الحادثة هي "محاولة هجوم إرهابي جهادي". 

ووفقاً للرواية الإسرائيلية، فإن مساعد الطيار (الذي ذكرت تقارير أنه عُماني الجنسية) قام بطعن قائد الطائرة الهندي "سميت ماتشهار" بسلاح أبيض وحاول السيطرة على المقود لتهبيط الطائرة بشكل حادّ وتحطيمها في الأرض. 

وأثنى نتنياهو على شجاعة الكابتن وراكب إسرائيلي يدعى "يانيف" زعم أنه اقتحم القمرة وساعد في تحييد المعتدي.

بدورها، أكدت إدارة مطار تبوك نجاح عملية الهبوط الاضطراري الإنساني للطائرة، وأشارت بشكل مقتضب إلى تعرض قائد الطائرة ومساعده لإصابات ونقلهما فوراً إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية، مع بدء السلطات السعودية التحقيق الفني والأمني في ملابسات الواقعة.

وظهر التضارب جلياً في توصيف الحادث؛ فالإمارات وشركة "فلاي دبي" تصفان الأمر بـ"المشادة الفنية/الجنائية" رافضتين إعطاء أي صبغة سياسية أو أيديولوجية قبل انتهاء التحقيقات الرسمية. 

في المقابل، سارع الاحتلال الإسرائيلي إلى تصنيفها "عملية إرهابية منسقة"، مستغلا الحادثة لفرض إجراءات فحص أمني مشددة على كلّ الطيارين المتوجهين إليها.

ووفقاً لبيانات موقع Flightradar24 Tracking، أرسلت الطائرة (وهي من طراز بوينغ 737 ماكس) شفرة الاستغاثة الدولية العامة (Squawk 7700) نتيجة الانهيار المفاجئ للارتفاع؛ حيث هبطت بمقدار 14 إلى 17 ألف قدم في غضون دقيقتين فقط. 

وتلا ذلك تفعيل شفرة الاختطاف والتدخل غير المشروع (Squawk 7500)، مما يعكس حالة الذعر والاضطراب الشديد التي سادت المقصورة قبل السيطرة على الوضع.

وتعمل فلاي دبي، الذراع الاقتصادي لمجموعة طيران الإمارات، على خط دبي-تل أبيب منذ تطبيع العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية عام 2020 ضمن اتفاقات أبراهام؛ إذ أصبحت الرحلات اليومية بين البلدين روتينية رغم التوترات الإقليمية. 

ووقع الحادث في سياق أمني إقليمي متوتر وحساس جدا؛ حيث تُجرى فحوصات أمنية مشددة على الرحلات إلى إسرائيل، لكن السيطرة داخل القمرة تبقى نقطة ضعف محتملة.

ويتزامن الحادث مع اقتراب الذكرى السنوية للعمليات العسكرية المستمرة في المنطقة، وسط تقارير استخباراتية كانت تتحدث عن "تهديدات غير محددة" ضد الرحلات المتوجهة إلى الكيان الإسرائيلي. 

وأعاد الحادث إحياء نقاشات حول أمن الطيران المدني، والصحة النفسية للطيارين، وإجراءات دخول القمرة المغلقة (المعتمدة بعد أحداث 11 سبتمبر).

كما جاء الهبوط في السعودية ليبرز تعاملاً إنسانياً ومحترفاً من الرياض التي لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تل أبيب؛ حيث رفضت السعودية هبوط طائرات عسكرية إسرائيلية لإنقاذ الركاب وتولّت بنفسها تأمينهم حتى نقلتهم فلاي دبي بطائرات مدنية بديلة.

وبدوره، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إنه تحدث مطولاً مع نتنياهو حول الحادثة. مضيفاً أن مساعد الطيار ربما كان إرهابياً أو شخصاً يتصرف بشكل غير عقلاني.

وقال للصحفيين في البيت الأبيض رداً على سؤال حول الحادثة: "أعتقد أنها قصة لا تُصدق". موضحا أن نتنياهو أطلعه على تفاصيل ما حدث على متن الرحلة التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب.

ثم روى ترامب الرواية التي تلقاها من نتنياهو بشأن سباك إسرائيلي، قال: إنه لا يملك أي خبرة في قيادة الطائرات، لكنه تدخل بعد سماعه ضجة في قمرة القيادة.

ووفقاً لرواية ترامب، أدرك السباك وجود خطب ما بعد سماعه صراخاً ورؤيته ما يحدث في قمرة القيادة، قائلا: "مع أنه لم يسبق له قيادة طائرة، أمسك بعصا التحكم، ورفعها، وضبط مسار الطائرة قبل تحطمها".

وأقر ترامب بأنه لا يستطيع التحقق بشكل مستقل من تفاصيل الرواية، قائلا: "هذه هي القصة التي سمعتها. لا أعرف إن كانت صحيحة، لكنها القصة التي وصلتني من بي بي سي. في إشارة إلى نتنياهو.

كما روى ترامب تفسير نتنياهو لكيفية معرفة السباك ما يجب فعله في حالة الطوارئ، قائلا: "عندما سُئل عن سبب فعله ذلك، قال: 'إنه يشاهد برنامج كوارث جوية'".

ووصف ترامب البرنامج التلفزيوني بأنه "أكثر البرامج جنونًا"، وقال: إن نتنياهو أخبره أن الراكب كان يشاهده باستمرار وتعلم منه "كيفية الطيران نوعًا ما".

وتُعد حوادث محاولة إسقاط الطائرة من داخل القمرة نادرة لكنها موثقة، أبرزها رحلة جرمان وينغز 9525 (2015): مساعد الطيار أندرياس لوبتز أغلق الباب على القائد وأسقط الطائرة في جبال الألب عمداً، مما أسفر عن مقتل 150 شخصاً، وكان يعاني من مشاكل نفسية.

ورحلة الخطوط الجوية الموزمبيقية (LAM 470) عام 2013: استغل قائد الطائرة خروج مساعده إلى المِرحاض، وقام بإغلاق القمرة والنزول بالطائرة عمداً في ناميبيا، مما أدى لمقتل جميع ركابها.

ورحلة مصر للطيران 990 (1999) التي سقطت في المحيط الأطلسي، وأشارت تحقيقات هيئة سلامة الطيران الأميركية (NTSB) إلى فرضية قيام مساعد الطيار الجميل البطوطي بالتحكم المنفرد في الهبوط، وهي فرضية واجهت جدلاً واسعاً ورفضاً رسمياً مصرياً.

ورحلة خطوط الحرير الجوية (SilkAir 185) عام 1997، حيث تحطمت الطائرة في إندونيسيا، وخلصت تحقيقات أميركية إلى أن القائد تعمّد إطفاء أجهزة تسجيل الرحلة وإسقاط الطائرة عمداً بسبب مشاكل مالية.

استغلال سياسي

واتهم ناشطون وكتاب على منصات التواصل الاجتماعي رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بمحاولة استثمار حادثة طائرة "فلاي دبي" انتخابياً وخارجياً، وركزوا على التوقيت المشبوه. مشيرين إلى أن نتنياهو حذّر قبل يوم واحد فقط من "هجمات محتملة قبل الانتخابات".

وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #فلاي_دبي، #نتنياهو، #السعودية، وغيرها، إلى أن نتنياهو حوّل الحادثة إلى دليل على صحة تحذيراته ليستعيد صورة "الحامي" قبيل انتخابات نهاية أكتوبر.

وعدّ ناشطون روايته عن "محاولة إسقاط الطائرة" و"العمل البطولي" محاولة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية ومحاكماته، وخلق ذريعة أمنية قد تُستخدم لتأجيل الانتخابات أو تعزيز موقفه السياسي، خاصة مع تضارب الروايات الرسمية وعدم ثبوت الدوافع الإرهابية بعد.

وسخروا من تشبيهه الحادثة بأحداث 11 سبتمبر، عادّين إياه مبالغاً فيه وغير منطقي، يهدف إلى استدرار التعاطف الغربي والأميركي بعد تراجع الدعم بسبب غزة، وإلى تصوير إسرائيل كضحية للتطرف الإسلامي العالمي.

وانتقدوا تعامله مع الحادث بتضخيم "البطولة" الإسرائيلية (مثل قصة السباك الذي أنقذ الطائرة بفضل برامج تلفزيونية) رغم أن السيطرة جاءت من طاقم وركاب متعددين، ورأوا في الرواية المتغيرة والمتضاربة (حتى ترامب شكك فيها علناً) دليلاً على مسرحية أو عملية تأثير نفسي أو "راية كاذبة" لاستغلال الخوف سياسياً وخارجياً.

فيلم هندي

وسخر ناشطون من حادثة طائرة فلاي دبي، ووصفوها بأنها "مسرحية" أو "فيلم هندي"، في إشارة ساخرة إلى ما رأوه سيناريو مبالغاً فيه أو مدبراً سياسياً، خاصة مع تفاصيل الرواية الإسرائيلية عن محاولة إسقاط الطائرة ووجود بطل هندي وراكب إسرائيلي أنقذ الموقف.

وركزوا على الجانب الدرامي المبالغ فيه للحادثة، مشبهين إياها بأفلام بوليوود الهندية بسبب وجود الطيار الهندي كـ"بطل" والروايات المتضاربة عن الطعن والصراع في قمرة القيادة والهبوط الحاد. مقدرين أن التفاصيل تبدو كسيناريو سينمائي رخيص مخرج من قبل جهات سياسية إسرائيلية قبل الانتخابات أو لخلق تعاطف.

وأشار آخرون إلى تناقض الروايات الرسمية (من شجار عادي إلى محاولة إرهابية) واستقبال نتنياهو للركاب، عادّين الحادثة "تمثيلية" أو "مسرحية هزيلة" أو "مؤامرة" تهدف إلى أهداف سياسية أو أمنية، مع التشكيك في دوافعها وتوقيتها.

رواية هزلية

وأشار ناشطون إلى أن ترامب نفسه نقل رواية نتنياهو حول السباك الذي أنقذ الطائرة بطريقة تهكمية، ورأوا في تكرار ترامب للتشكيك دليلاً على عدم اقتناعه، وربطوا ذلك بتشتت الروايات الإسرائيلية حول الحادثة، مطالبين بتحقيقات جادة في الأمن الجوي بعيداً عن الدعاية السياسية.

 

محاولة تطبيع

ورأى محللون وناشطون أن الحادثة، بما فيها الروايات الإسرائيلية عن محاولة إسقاط الطائرة وطلب إسرائيل إرسال طائراتها لإجلاء الركاب (الذي رفضته السعودية)، تمثّل محاولة لاستغلال الظرف الإنساني أو الأمني لإظهار تقدم ضمني في التطبيع أو إحراج المملكة ودفعها نحو علاقات أوضح.

وذهبوا إلى عدّ الحادثة "مسرحية" أو مدبرة بهدف إجبار السعودية على التطبيع بالقوة أو تشويه صورتها، بينما أكّدت حسابات أخرى أن رفض الرياض للطائرات الإسرائيلية قطع الطريق على مثل هذه السرديات، وأن السيادة السعودية خطّ أحمر لا يُساوَم عليه تحت أي غطاء.