خليل كوناكجي.. داعية تركي خرج من معقل العلمانية ليؤدب العنصريين

تعد مدينة إزمير في المنطقة الغربية من الأناضول، ثالث أكبر المدن التركية، بعد إسطنبول وأنقرة من حيث الحجم والسكان، وهي معقل العلمانية وحصنها الحصين.
إزمير موطن أربعة ملايين شخص وفقا لهيئة الإحصاء التركية للعام 2022، وتعد أكثر ولايات الجمهورية المستعصية على التصويت لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
حتى إنه في الانتخابات الرئاسية التركية مايو/أيار 2023، شهدت الخريطة التصويتية في إزمير حصول مرشح المعارضة، وزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو على 67.1 بالمئة.
بينما حصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على 32.9 بالمئة فقط، وهي نتيجة ليست غريبة، حيث لم يحقق حزب العدالة والتنمية أي فوز انتخابي في إزمير، منذ صعوده إلى سدة الحكم عام 2002.
ويعود ذلك إلى أن المدينة ذات أسلوب الحياة المنفتح والتي تحمل أيضا إرث مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، تريد أن تحافظ على نمط علمانيتها، وطابعها الأيديولوجي.
لكن المثير أن إزمير بحالتها القائمة أخرجت واحدا من أهم الدعاة الأتراك، حمل على عاتقه مناهضة العلمانية، ومحاربة العنصريين وخطابهم المفعم بالكراهية ضد العرب والمتدينين عموما.
خليل كوناكجي
إنه الشيخ خليل كوناكجي، الذي ولد في إزمير يوم 1 يناير/كانون الثاني 1980، وتلقى تعليمه في مدارس الأئمة والخطباء، وبعدها التحق برئاسة الشؤون الدينية التركية.
أصبح كوناكجي إماما لمسجد "مليكة هاتون" بالعاصمة التركية أنقرة، وبدأ إلقاء خطب ودروس في مجموعة من الولايات، حيث يقصده الناس في مسجد "مهرابلي" بولاية بورصة.
وكذلك يشرف على فعاليات ودروس دينية في مسجد "أولوتشينار" في منطقة "بنديك" بإسطنبول.
حتى إنه في 27 سبتمبر/ أيلول 2023، نشر عبر حسابه بمنصة "إكس" عن احتفالية أقامها داخل ذلك المسجد بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف.
وعلق قائلا: "في ليلة المولد النبوي اجتمعنا هنا مع إخواننا وتحدثنا عن سنة ومبادئ وإصلاحات سيدنا الأوحد النبي صلى الله عليه وسلم، وعن السير في طريقه والالتزام بمنهجه".
واشتهر الداعية التركي خليل كوناكجي من خلال نشاطه البارز على مواقع التواصل الاجتماعي "إكس - إنستغرام - يوتيوب - تيك توك" حيث يصل عدد متابعيه إلى أكثر من مليون شخص.
السبب الثاني لشهرة خليل كوناكجي هو اصطدامه الحاد بالعلمانيين والعنصريين من خلال خطابات حاسمة، وتوجيهه اللوم لزعماء تيار العنصرية في تركيا مثل رئيس حزب الظفر المعارض "أوميت أوزداغ".
عدو العنصريين
وفي 23 يوليو/تموز 2023 شن كوناكجي هجوما شرسا على دعاة العنصرية ضد اللغة العربية والعرب في تركيا.
وأكد الشيخ كوناكجي أن الهوية الإسلامية تعلو على باقي الهويات القومية والعرقية.
وقال خلال درس له في مسجد "مليكة هاتون" بأنقرة: "أولئك الذين يهاجمون اللغة العربية، يسمون أحزابهم بأسماء عربية، إذ إن كلمة ظفر أصلها عربي كذلك كلمتا شعب وجمهور".
في إشارة منه إلى حزبي "الظفر" الذي يقوده أوميت أوزداغ المعروف بعنصريته ضد العرب، و"الشعب الجمهوري" أكبر أحزاب المعارضة.
وأتبع: "يقولون نريد الأذان بالتركية، نريد القرآن بالتركية.. لقد سئمنا منكم، لا يمكن الأذان وأداء العبادة بالتركية ولا بالكردية ولا بالألمانية، لا يمكن أداء العبادة في الإسلام إلا باللسان الذين أنزل به القرآن"
ومما ذكره الداعية التركي أن اختلاف اللغة والألوان بين البشر آية من آيات الله، ودليل على قوته وقدرته.
وأشار إلى أن دعوات العنصرية والكراهية والتفرقة بين الناس أخيرا في تركيا على أساس اللغة والعرق هي دعوات عنصرية وفاشية.
تهديد بالإعدام
موقف كوناكجي المناهض للعنصرية والمدافع عن اللغة العربية، حرك ضده غلاة العلمانيين، على رأسهم أوميت أوزداغ.
وفي تغريدة له على موقع إكس، بتاريخ 10 أغسطس/ آب 2023 كتب أوزداغ قائلا: إن إمام مسجد "مليكة هاتون" الداعية التركي خليل كوناكجي "عدو الدولة والأمة التركية".
وتهكم أوزداغ على حديثه ودفاعه الشديد عن رفع الأذان باللغة العربية، وشدد أن كوناكجي يستحق أن يحاكم في محكمة الاستقلال، في إشارة واضحة إلى استحقاقه الإعدام.
وأنشئت محاكم الاستقلال عام 1925 في عهد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، لتصفية من أطلق عليهم "خصوم العلمانية"، إما من خلال الإعدام شنقا أو رميا بالرصاص.
وهدفت هذه المحاكم إلى إعدام كل من بحث في الخلافة والمحاكم الشرعية، ووصفت البحث في هذه الأمور بالخيانة الوطنية.
وعلى إثرها أعدم كثير من رجال الدين الأتراك، على رأسهم الإمام محمد عاطف الإسكليبي، الذي عرض على محاكم الاستقلال بسبب تحريمه تقليد الغرب باللباس.
ويريد أوزداغ أن يرد تركيا إلى ذلك العهد، وأن يحاكم كوناكجي محاكمة مماثلة ويعدم. وأعلن الداعية التركي رفع دعوى أمام القضاء ضد رئيس حزب الظفر.
وقال في تغريدة "قصتك التي أثرتها من الكلام عن اضطهاد الأذان واستهدافي لا تؤثر إلا على ثلاثة من البشر حولك، ومقدرتك لا تكفي لقياس حبي وأجدادي لهذا الوطن".
مطالبة بالإقالة
حضور كوناكجي كان مثيرا للاهتمام على جميع الأصعدة، مع تصاعد حوادث الهجوم والاعتداء على المحجبات لفظيا أو جسديا، ودعوات عودة تركيا لميراثها القديم.
وخاصة عند بداية تأسيس الجمهورية، عندما اتخذت نهج العلمانية المعادية لجميع مظاهر الدين، لا سيما تحت مظلة حكومات حزب الشعب الجمهوري المعارض.
وخاض كوناكجي معركة مضادة تماما وربما نادرة في الخطاب التركي العام، ففي 27 يوليو 2023، هاجم النساء اللواتي يرتدين ملابسة غير محتشمة لا تتناسب مع الدين أو العرف التركي في الشوارع.
ووصف الشوارع والميادين بأنها أصبحت أشبه بمحلات الجزارة التي يرى فيها الإنسان "اللحم" أينما نظر.
وقال نصا: "ألا تغارون على نسائكم.. أين الضمير؟ أين الشرف؟"، وهو ما أثار الكثير من الجدل الإعلامي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
ودعم الكثيرون وجهة نظره حيث يرون أن على النساء ارتداء ملابس أكثر احتشاما، لكن في الوقت نفسه ثارت ثائرة العلمانيين.
وأطلق أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارض حملة كبيرة على منصة "إكس" طالبوا فيها بإقالة خليل كوناكجي، من رئاسة الشؤون الدينية، متهمين إياه بالإساءة إلى المرأة، ومعاداة العلمانية، والدعوة إلى الرجعية.
بينما ناصره قطاع كبير من الناشطين وأطلقوا هاشتاغ "كوناكجي لست وحدك"، الذي تصدر "الترند" داخل تركيا، وحقق تفاعلا واسعا.
ودافع عنه الكاتب التركي "سيرفت بيكي" الذي كتب: "لماذا يُحاكم خليل كوناكجي؟ هل أذل أخاه المسلم الذي ليس من عرقه؟ وهل أظهر اللاجئين الذين سقطوا وخسروا في الحرب على أنهم قتلة ومنحرفون وسببوا الاضطرابات؟ وهل هو المحرض على حدث جديد يخرج كل يوم لجر تركيا الى الفوضى والحرب الأهلية بتعليمات تلقاها من الغرب؟".
وأتبع: "“ماذا قال خليل؟ قال انشروا سلام الله ودعا إلى ترك العمل يوم الجمعة والذهاب إلى الصلاة وعد سب الله والرسول الحبيب (صلى الله عليه وسلم) والصحابة جريمة".
المصادر
- Halil Konakçı kimdir? Halil Konakçı kaç yaşında, nereli? Halil Konakçı hayatı kısaca
- Halil Konakçı kimdir?
- تركيا.. تضامن واسع مع داعية هدده المتطرف أوميت أوزداغ بالإعدام
- أسماء أحزابهم عربية.. هكذا هاجم داعية تركي العنصرية ضد العرب
- هل وصفها بـ”قلعة الحزب الجمهوري” صحيح أم خاطئ؟.. هذا ما يقوله التاريخ عن مدينة إزمير التركية