سيطرة الصقور.. هل انهزم التيار المناهض للحروب داخل ماغا؟

"قاعدة ماغا لا تمانع الحرب ما دام ترامب هو من يخوضها"
"يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تقترب من حرب مع إيران، وهناك الكثيرون من اليمين، بمن فيهم بعض مؤيدي ترامب، يعارضون ذلك بشدة. لكن للأسف، يبدو أن أصواتهم هذه المرة أكثر تهميشا وسط الضجيج العام".
هكذا رصدت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" المشهد الراهن لليمين الأميركي، مشيرة إلى أن العضوة السابقة بالكونغرس عن الحزب الجمهوري، مارجوري تايلور غرين، لها دور في هذا السياق.
فقد كتبت تايلور غرين على منصة "إكس"، قائلة: إن "الأميركيين لا يريدون الذهاب إلى حرب مع إيران!!!". مضيفة: "لقد صوّتوا لعدم الذهاب إلى مزيد من الحروب الخارجية أو تغيير الأنظمة".

رفض الحرب
وصرح السيناتور راند بول: "لدينا كل الحق في الدفاع عن قواتنا وإسقاط التهديدات، لكن لا يمكن قصف نظام ما حتى يصبح حرا".
بدوره، شدّد عضو الكونغرس توماس ماسي على رفضه أي حرب مع إيران، مطالبا بإجراء تصويت في الكونغرس قبل الإقدام على أي خطوة عسكرية.
ودفع المدير التنفيذي لمجلة "أميركان كونسيرفاتيف"، كيرت ميلز، في الاتجاه نفسه؛ إذ انتقد صقور واشنطن، وقال أخيرا لحليف ترامب ومستشاره السابق ستيف بانون: إن "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" -وهي مؤسسة بحثية تتبع المحافظين الجدد- "تقود حملة للحرب" مع إيران.
وأضاف أنها "لعبت دورا محوريا في صياغة الكثير من سياسة ترامب تجاه إيران.. إنهم يقرعون طبول الحرب".
وأوضحت المجلة أن شخصيات قريبة من حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" (ماغا)، مثل الكوميدي الليبرتاري ديف سميث، الضيف الدائم على برنامج جو روغان، تُدق ناقوس الخطر أيضا.
فقد قال سميث عن دعاة الحرب من اليمين: "إذا بدأوا بالحديث عن خوض حرب مع إيران، فتعاملوا معهم كعدو حقيقي".
من جهتهم، عبّر كل من جاستن لوغان وجون هوفمان وبراندان بي. باك من معهد "كاتو" عن قلقهم إزاء الحشد العسكري، وكذلك فعل القاضي أندرو نابوليتانو ودوغ ماكغريغور وداني ديفيس، وأخيرا وليس آخرا، عضو الكونغرس السابق والمرشح الرئاسي الأسبق وأيقونة التيار الليبرتاري رون بول.
لكن الصمت النسبي في أوساط أخرى يثير القلق، وفق التقرير؛ حيث كان ستيف بانون قد وصف قصف الولايات المتحدة لطهران بأنه "جنون"، غير أن ذلك كان قبل نحو شهر.
وصحيح أن مذيع البودكاست الشهير، تاكر كارلسون، المعروف منذ سنوات بمعارضته الحرب مع إيران، قال: إن إقدام ترامب على شن حرب ضدها سيكون "إهانة في وجه ملايين الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم أملا في قيام حكومة تضع الولايات المتحدة أولا أخيرا".
لكن ذلك التصريح يعود إلى ما قبل ثمانية أشهر، أي قبل أن يقصف ترامب إيران للمرة الأولى ضمن ما سُمّي "عملية مطرقة منتصف الليل".
وقالت المجلة: "اليوم، لا يبدو كارلسون بالقدر نفسه من الصخب إزاء الحشد العسكري الضخم المتراكم في المنطقة، والذي يفوق بكثير حجم الانتشار العسكري الأميركي هناك في يونيو/حزيران 2025".
وأضافت "ومع ذلك، يُحسب له أنه واجه السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن ملف إيران خلال مقابلة مطوّلة قاربت التسعين دقيقة، نُشرت أخيرا".
وخلال نقاش مطوّل حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الاستمرار في تقديم 3.8 مليارات دولار مساعدات لإسرائيل، قال كارلسون لهاكابي: "لم ألتقِ قط بأميركي -باستثناء من لديهم دوافع أيديولوجية تدفعهم إلى التظاهر بذلك- يعتقد أن هناك تهديدا وشيكا لأميركا له علاقة بإيران".
كما انتقد كارلسون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب ضغطه على الرئيس ترامب لمهاجمة إيران.
وأضاف: “أنا لا أهتم بإيران إطلاقا.. ما يهمني هو أميركا. إذا كان تدمير إيران سيجعل بلادي أكثر ثراء، فقولوا إنني معه. وإذا لم يكن كذلك فأنا ضده تماما. الأمر بهذه البساطة. أظن أن معظم الأميركيين يشعرون بذات الأمر، أليس كذلك؟”
غضب ترامب
ومع ذلك، يمكن القول: إن معارضة الرئيس الأميركي في ملف الحرب -أو في غيره- ليست بالأمر الهيّن.
فقد بلغ استياء ترامب من "غرين" و"ماسي"، حدا جعله يتوعد بدعم منافسين لهما في الانتخابات التمهيدية؛ وقد استقالت غرين لاحقا، فيما يدعم ترامب حاليا منافسا انتخابيا لماسي.
وكثيرا ما يستخدم ترامب اسمي ماسي وبول مادة للسخرية في خطاباته، واصفا إياهما بعبارات مثل "الأحمق" و"الخاسر".
"فإلى من يُصغي الرئيس إذن؟"، تتساءل المجلة.
وقالت: إن "السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري المخضرم المعروف بمواقفه المتشددة في السياسة الخارجية، أمضى وقتا طويلا إلى جانب الرئيس".
وقد تحدّث باستخفاف عن احتمال أن تسفر الحرب عن مقتل أميركيين، قائلا: "هل يمكن أن تُستهدف قواتنا في المنطقة؟ بالتأكيد يمكن ذلك. هل تستطيع إيران الرد إذا شننّا هجوما شاملا؟ بالتأكيد تستطيع".
وأضاف: "أعتقد أن المخاطر المرتبطة بذلك أقل بكثير من المخاطر المرتبطة بالتراجع، وسحب الدعم، وعدم مساعدة الشعب كما وعدتم".
وترى المجلة أن غراهام يتعامل مع احتمال مقتل عسكريين أميركيين في حرب لا يملك الرأي العام تصورا واضحا عن مبرراتها بوصفه ثمنا يمكن تحمّله.
ولا يبدو هذا الموقف مفاجئا من سياسي سبق أن دعا إلى الحرب مع كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي، قائلا: “إذا مات الآلاف فسيكونون هناك، لا هنا”.
كما لم يتردد في أكثر من مناسبة في الدعوة إلى "محو إيران عن الخريطة"، بعبارات تعكس قدرا كبيرا من الاستهانة بعواقب التصعيد.
ويبرز أيضا المذيع اليميني مارك ليفين، صاحب البرنامج الأسبوعي على قناة “فوكس نيوز” الذي تحوّل إلى ما يشبه ماكينة دعاية لا تهدأ للدفع نحو تغيير النظام في إيران.
ويسير على الخط ذاته زميله في القناة شون هانيتي، مستغلا الاحتجاجات الأخيرة في إيران ذريعة لتبرير التدخل.
وقد قال هانيتي: "إذا كان (النظام الإيراني) متهورا بما يكفي ليشكك في عزيمة الرئيس ترامب، فليتصل بنيكولاس مادورو".
ثم هناك "الخبراء" العسكريون. فبريت ماكغورك، الذي شغل منصب مستشار لشؤون أمن الشرق الأوسط في إدارتي بايدن وترامب الأولى، يواصل عبر القنوات الإخبارية الترويج للحرب.
أما الجنرال جاك كين، الضيف الدائم على قناة "فوكس" منذ أيام الحرب في أفغانستان وصاحب التحليلات المؤيدة للتدخل العسكري، فيؤكد في مقابلاته أن "الخيار المفضل" يتمثل في "هجوم أميركي–إسرائيلي مشترك" على إيران لإسقاط النظام وتدمير قدراته الصاروخية الباليستية.

تأثير مقتل كيرك
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، حشدت الولايات المتحدة في المنطقة قوة جوية هي الأكبر منذ غزو العراق عام 2003.
وقال ترامب، خلال اجتماعه الافتتاحي لما سمّاه "مجلس السلام": إن على إيران "أن تُبرم اتفاقا. وإذا لم يحدث ذلك… فستقع أمور سيئة".
وإذا كان هذا "الأمر السيئ" يعني حربا لتغيير النظام على غرار ما جرى في العراق، فلا يبدو أن نقاشا عاما قد دار حول جدوى خطوة كهذه أو كلفتها. وفق المجلة.
وباستثناء كارلسون ربما، فإن معظم رموز تيار "ماغا" الذين رفعوا في السابق راية "أميركا أولا" إلى جانب ترامب، إما جرى تهميشهم أو أصبحوا محل غضب صريح من الرئيس.
ولا يبدو أيضا أن ترامب يُصغي إلى الأميركيين العاديين الذين تؤكد استطلاعات الرأي بأغلبية واضحة أنهم لا يريدون هذه الحرب. بحسب المجلة.
وقبل اغتياله في سبتمبر/أيلول 2025، كان تشارلي كيرك صريحا في رفضه ذهاب الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، مستخدما برنامجه لإيصال هذه الرسالة إلى قاعدته المحافظة الواسعة.
واستدركت المجلة: لكن مع مطلع العام الجديد، بدا وكأن دعاة التدخل العسكري أحكموا قبضتهم على سياسة ترامب الخارجية، بدءا بغزو فنزويلا الذي تعامل معه كثير من أنصار "ماغا" بصفته تجسيدا لشعار "أميركا أولا".
وشاركت أرتا مويني، من جامعة جورجتاون، منشورا قديما لـ"كيرك" على منصة "إكس"، وكتبت معلّقة: "كان تشارلي صديقا، وكنا على تواصل منتظم خلال حرب الأيام الاثني عشر؛ إذ كان يعمل بلا كلل خلف الكواليس لتجنّب تورّط الولايات المتحدة في إيران".
وأضافت مويني: "كان انطباعي أنه كان يعتقد أن (الرئيس ترامب)، الذي كان يكنّ له محبة كبيرة، يُقاد إلى طريق وعرٍ نحو الهلاك من قِبل بعض المستشارين السيئين في الدائرة المقربة، الذين كانوا يُخفون الحقيقة ويُسكتون أصوات (أميركا أولا) في الإدارة".
أما عضو الكونغرس السابق مات غيتس الذي كان أكثر صخبا خلال صيف 2025 في تحذيره من قصف إيران، فقد بدا هو الآخر كأنه يرى صلة بين غياب كيرك والمسار الحالي للسياسة الخارجية للإدارة.
فقد أعاد غيتس نشر مقطع قديم لكيرك يحذّر فيه من انجرار الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران بطلب من إسرائيل، وعلّق عليه بكلمات مقتضبة: "أفتقد تشارلي".
وعلى هذا، تساءلت المجلة الأميركية: لماذا خفتت هذه الأصوات، التي كانت يوما جزءا أصيلا من حركة "ماغا" الأولى عام 2016، ثم من حملة ترامب الرئاسية في 2024؟
وقالت: “قد لا يكون ترامب مؤدلجا إلى حد بعيد، لكنه يُعلي من شأن الولاء”.
وأضافت ربما كانت طريقة التعامل مع غرين وماسي وبول بمثابة رسائل تحذيرية للآخرين، فكان الأسهل لكثيرين الانضمام إلى الرأي السائد، والقول: إن ما جرى في فنزويلا ليس "تغييرا للنظام"، ولم يشعل "حربا أبدية".
وتشير استطلاعات إلى أن قاعدة "ماغا" تبنّت إلى حد كبير هذه الرواية، وأنها لا تمانع الحرب ما دام ترامب هو من يخوضها. وفق المجلة.
وختمت بالقول: "كان الرئيس يُصغي، في وقت من الأوقات إلى رموز ماغا الأصليين الداعين إلى ضبط النفس ولو أحيانا. وربما نكون الآن على أعتاب اختبار ما يحدث عندما لا يُصغي إليهم إطلاقا".
















