"قضية فساد القرن".. هكذا تعصف بمستقبل أكبر أحزاب المعارضة التركية

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تعكس التطورات داخل حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، أزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل المصداقية والقيادة وسوء التوقيت وضعف البنية التنظيمية. بحسب صحيفة “حرييت”.

ونشرت الصحيفة التركية مقالاً للكاتب التركي "عبد القدير سيلفي"، تحدّث فيه عن الساحة السياسية التركية، وكيف أنّها بالتوازي مع التوترات الإقليمية تشهد حالة من الاحتقان الداخلي داخل حزب الشعب الجمهوري. 

وأوضح أن الجدل الدائر بين رئيس الحزب أوزغور أوزيل ووزير العدل أكين جورليك، إلى جانب التطورات المرتبطة بأكرم إمام أوغلو، كلّ ذلك يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الحزب على مستوى القيادة والمصداقية والتماسك الداخلي.

أزمة مصداقية 

في مستهل مقاله، قال الكاتب التركي: إنّ تصريحات أوزغور أوزيل، حول امتلاك أكين غورليك ثروة عقارية ضخمة، تستهدف فتح تصعيد سياسي، وذلك من أجل إحراج السلطة وفتح ملف الشفافية والمساءلة، خاصة مع إرفاق هذه الادعاءات بوثائق وسندات ملكية يُفترض أنها تعزز مصداقيتها.

حيث أعلن أوزغور أوزيل في 17 مارس/ آذار 2026 أن القيمة الإجمالية للمنازل والأراضي التي يزعم أنها تعود إلى أكين غورليك، إلى جانب العقارات التي باعها، تصل إلى 452 مليون ليرة، مؤكداً في تصريحات مثيرة للجدل أن وزير العدل تمكن من تكوين هذه الثروة خلال 19 عاماً فقط، رغم أن راتب قاضٍ من الدرجة الأولى لا يكفي لتراكم مثل هذا المبلغ إلا بعد 190 عاماً من العمل دون أكل أو شرب.

ولم تقتصر الخطوة على التصريحات، بل تقدم حزب الشعب الجمهوري بشكوى جنائية تتعلق بإقرار الذمة المالية لغورليك، وذلك في محاولة لتوسيع نطاق الضغط السياسي والقانوني.

في المقابل، جاء رد غورليك حاسماً، إذ عدّ هذه الادعاءات جزءاً من حملة تشويه ممنهجة، وأشار إلى أن الوثائق المتداولة "مزورة ومفبركة"، ولا تستند إلى سجلات رسمية فعلية، أنّ هدفها الوحيد هو تضليل الرأي العام.

وأشار الكاتب إلى أن هناك دوافع سياسية وراء هذه الاتهامات، والهدف الأول لأوزغور أوزيل هو التغطية على ما يُعرف بـ "قضية فساد القرن"، التي تشمل محاكمة 407 أشخاص من بينهم رئيس بلدية إسطنبول السابق، أكرم إمام أوغلو.

وعلق الكاتب أيضاً أنّ هذه المواجهة تكشف عن معركة تتجاوز مضمون الاتهامات، لتصل إلى مسألة المصداقية السياسية.

والأكثر أهمية هو أن أوزيل رفع سقف المخاطرة السياسية عبر نشر الوثائق، فهذه المزاعم تضعه أمام اختبار مباشر؛ إما أن تثبت صحة ادعاءاته فيعزز موقعه كفاعل رقابي قوي، أو يتبين عدم دقتها، فيتحول ذلك إلى نقطة ضعف حادة. 

وفي الحالة الثانية لن تكون الخسارة شخصية فقط، بل قد تمتد لتؤثر على صورة المعارضة ككل، خاصة في ما يتعلق بقدرتها على تقديم بديل موثوق.

صراع قيادة

ولفت الكاتب التركي إلى أنّ إكرم إمام أوغلو يمثّل محوراً أساسياً في توازنات حزب الشعب الجمهوري. 

فمن جهة، يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه السياسية القادرة على منافسة السلطة، ومن جهة أخرى، أصبح عامل انقسام داخل الحزب نفسه. لذلك فقد بدأت النخبة المحيطة به بالبحث عن مخرج سياسي يحميه من التداعيات القانونية.

وقد طُرِحَت عدة سيناريوهات في هذا السياق، أبرزها تحويله إلى رئيس للحزب أو إعلانه مرشحاً رئاسياً مبكراً. 

هذه المقترحات تعكس إدراكاً لدى فريقه بأن الحصانة السياسية قد توفر له حماية جزئية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن توظيف الأدوات الحزبية لأغراض دفاعية، أكثر من كونها إستراتيجية سياسية مدروسة.

لكنّ فشل هذه السيناريوهات، سواء عبر عدم قدرتها على منعه من الاعتقال أو بسبب رفضها داخل الحزب، أظهر حدود نفوذ إمام أوغلو، خاصة بعد تغير موازين القوى داخل الحزب لصالح قيادة أوزيل.

وأشار الكاتب إلى أنّ حزب الشعب الجمهوري يواجه أزمة كبيرة داخله، فهناك صراع غير معلن بين جناحين رئيسين، أحدهما يقوده أوزغور أوزيل ويمثل القيادة الحالية والبنية التنظيمية للحزب، والآخر يرتبط بأكرم إمام أوغلو، ويستند إلى قاعدة من الشعبية السياسية وشبكة علاقات داخلية. 

لذلك فإنّ رفض فريق أوزيل مقترحَ تسليم رئاسة الحزب لإمام أوغلو يعكس تمسكاً واضحاً بمواقع النفوذ، إلى جانب إدراكٍ بأن أي تنازل في هذه المرحلة قد يفضي إلى فقدان السيطرة على مفاصل الحزب. 

في المقابل، يبدو أن فريق إمام أوغلو لم يعد يمتلك القوة التنظيمية التي كانت تتيح له فرض خياراته، خصوصاً بعد إعادة هيكلة الحزب بطريقة عززت من موقع القيادة الحالية، ورسخت توازنات داخلية تميل لصالحها.

وتابع: تكشف المعطيات المرتبطة بضعف الحضور في الفعاليات الداعمة لأكرم إمام أوغلو، إلى جانب غياب عدد ملحوظ من نواب الحزب عن جلسات محاكمته، عن تراجع ملموس في مستوى الالتفاف السياسي حوله. 

ولا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن سياق أوسع يعكس تآكل الحماس داخل القاعدة الحزبية، ووجود تصدعات داخل الكتلة البرلمانية، بالإضافة إلى تنامي الشكوك بشأن قدرة القيادة على إدارة الأزمة بكفاءة. 

ففي السياق الحزبي، يُعد تماسك القاعدة التنظيمية عنصراً حاسماً في احتواء الأزمات، وهو ما يجعل هذه التطورات مؤشراً مقلقاً على مستوى الاستقرار الداخلي للحزب ومستقبله السياسي.

إنّ تداعيات هذه الأزمة لا تتوقف عند حدود حزب الشعب الجمهوري، بل تمتد لتطال مجمل المعارضة التركية، نظراً لمكانة الحزب كأكبر مكون فيها. فإضعافه على مستوى القيادة أو الخطاب أو التماسك الداخلي ينعكس مباشرة على قدرة المعارضة على تقديم بديل سياسي متماسك وقادر على المنافسة. 

كما أن انشغال الحزب بصراعاته الداخلية يحدّ من قدرته على التفاعل مع القضايا الوطنية الكبرى، ويمنح السلطة هامشاً أوسع للتحرك وإدارة المشهد السياسي دون ضغط معارض فعّال.

وختم الكاتب مقاله قائلاً: تعكس التطورات داخل حزب الشعب الجمهوري أزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل المصداقية والقيادة وسوء التوقيت وضعف البنية التنظيمية. 

وبينما يحاول الحزب احتواء تداعيات قضية أكرم إمام أوغلو، فإنه يواجه تحدياً أعمق يتمثل في إعادة ترميم توازنه الداخلي واستعادة ثقة قواعده. 

وبذلك، لا تبدو هذه الأزمة مجرد خلاف عابر، بل مؤشراً على مرحلة إعادة تشكل قد تعيد رسم ملامح الحزب، وتحدد موقعه ودوره في المشهد السياسي التركي خلال المرحلة المقبلة.