"الحرس الوطني".. مليشيا إسرائيلية للتنكيل بالعرب وترسيخ هيمنة المستوطنين

داود علي | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تحت غطاء قانوني لمحاربة الفلسطينيين، صادقت الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو على إقامة مليشيات مسلحة تحمل اسم "الحرس الوطني" بميزانية تتعدى ربع مليار دولار.

المعني الأول بهذا القرار المصادق عليه في 2 أبريل/ نيسان 2023، وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، مع المفتش العام للشرطة، كوبي شبتاي.

وفكرة المليشيا وجيوش العصابات لا تغيب عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، فعندما كان الصراع دائرا بين الصهاينة الذين حاولوا انتزاع الأراضي الفلسطينية من ساكنيها، والمقاومة العربية، تم تأسيس منظمة "هاشومير" اليهودية، في يونيو/ حزيران 1920.

وكانت منظمة "هاشومير" نواة عصابات "الهاجاناه" وانضم لها الشبان اليهود، واستوردت السلاح الأجنبي، وخاضت حرب الاحتلال، وبالتالي أصبحت إسرائيل، نموذجا للتشكيلات العصابية، التي تأخذ بعد ذلك منحى رسميا.

ورغم مرور عقود طويلة على تلك الأحداث، إلا أن فكرة تكوين المليشيات والعصابات المسلحة لا تزال تداعب أحلام المتطرفين الإسرائيليين، الذين يحكمون حاليا دولة الاحتلال، تحت مظلة حكومة نتنياهو المشكلة في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2022.

تخوفات الشاباك

في 10 أبريل/ نيسان 2023، نشرت مجلة "إنتيليجنس أونلاين" الفرنسية المختصة بشؤون الاستخبارات، تقريرا أوردت فيه أنه رغم الموافقة على تشكيل "الحرس الوطني" الجديد من قبل مجلس الوزراء الإسرائيلي، فإن خطط الحكومة تزيد من التوترات الخطيرة بالفعل داخل "الشاباك" (جهاز الاستخبارات والأمن العام الداخلي). 

وأكدت أن "الجهاز الجديد الذي عرض نتنياهو تأسيسه على وزير الأمن القومي، بن غفير، كتعويض عن تجميد  التعديلات القضائية، أثار غضبا داخل الشاباك الذي يرأسه رونين بار".

وتتضمن التعديلات القضائية بنودا، تحد من المراجعة القضائية لتشريعات الكنيست، وسيطرة الحكومة على تعيينات القضاة، وإلغاء تدخل المحكمة العليا في الأوامر التنفيذية، وتحويل المستشارين القانونيين بالوزارات إلى معينين سياسيين.

وأوردت مجلة "إنتيليجنس أونلاين" أن "ذلك حدث (الموافقة على الحرس الوطني) في وقت يعارض فيه جزء من الشاباك إلى حد كبير وبشكل مباشر التحالف اليميني المتطرف الموجود في السلطة حاليا".

وتابعت: "خاصة مع انضمام رئيس الشرطة شبتاي إلى قادة أجهزة الأمن والاستخبارات الذين يخشون من احتمال تحول الحرس الوطني إلى مليشيا بيد بن غفير".

واختتمت المجلة الفرنسية أن "تلك المعارضة الشرسة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تعد مؤشرا آخر على انقسام محتمل داخل أجهزة الأمن في إسرائيل". 

فكرة التأسيس 

صاحب فكرة تأسيس الحرس الوطني في الأساس هو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت. 

وبرزت الفكرة لمواجهة الحالة الأمنية المضطربة داخل الأراضي المحتلة عام 2022، ولم يلق المقترح ترحيبا وقتها، لاعتبارات أمنية وسياسية. 

لكن في ظل تداعيات المظاهرات الإسرائيلية الموجودة على خلفية التعديلات القضائية، أعلنت حكومة الاحتلال تشكيل وتمويل الحرس الوطني في 2 أبريل/ نيسان 2023 على أن تكون تحت إشراف بن غفير بموجب اتفاق بينه وبين نتنياهو. 

وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية، فإن الحكومة صادقت على تقليص ميزانيات الوزارات والهيئات الحكومية كافة بنسبة 1.5 بالمئة بهدف إقامة قوة الحرس الوطني.

وذكرت أن ميزانية الحرس الوطني الجديد تبلغ نحو مليار شيكل (نحو 275 مليون دولار).

وتتكون النواة الأولى للقوة المسلحة الجديدة من ألفي عنصر، سيتم انتقاؤهم بعناية، شريطة أن يكونوا جنودا سابقين خدموا في الجيش أو الشرطة. 

وستكون مهمتهم الأولى مكافحة الجريمة والمواجهات مع المتظاهرين وحالات التمرد، خاصة المنبثقة من الجانب الفلسطيني..

وستضطلع القوة كذلك بمهمة محاربة جرائم الابتزاز وجرائم العائلات و الجرائم الخطيرة والجرائم الزراعية.

وستعمل بشكل مباشر تحت إشراف وزارة الأمن القومي، التي يقودها اليميني المتطرف، بن غفير. 

وقال بن غفير للصحيفة العبرية إن "الغاية من هذه القوة هي استعادة الهدوء في الشوارع، ومواجهة الإرهابيين على حد زعمه". 

مليشيا مسلحة 

وفي 3 أبريل 2023، أصدر المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية "عدالة"، رسالة عاجلة في صورة بيان، إلى كل من المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية، غالي بهاراف ميارا، ونتنياهو وبن غفير يطالب فيها بإلغاء إقامة ما يسمى بـ"الحرس الوطني".

وذكر المركز أن "هذا الجسم ما هو إلا مليشيا مسلحة جاءت تحت غطاء قانوني لمحاربة الفلسطينيين في الداخل، وتعزز من وجود نظامي تطبيق قانون مختلفين، واحد للفلسطينيين وآخر للإسرائيليين".

واستطرد: "حتى لو غضضنا النظر عن الدوافع العنصرية لإقامة هذا الحرس، فمن غير المعقول نقل صلاحيات رجال الشرطة التي جاءت من القانون إلى متطوعين مدنيين وتزويدهم بالسلاح والتدريب خاصة وأنهم يمتثلون لأوامر الوزير".

وكذلك اعترض زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، على فكرة إقامة "الحرس الوطني"، ووصفهم بأنهم "بلطجية".

وقال في تغريدة: "وافقت الحكومة على تخفيضات أفقية لتمويل مليشيا بن غفير الخاصة". 

وتابع لابيد: "سيقتطعون من ميزانيات الصحة والتعليم والأمن، وكل ذلك لتمويل جيش خاص من البلطجية لمهرج تيك توك (يقصد بن غفير)"

سياسة بن غفير الرامية إلى ترسيخ نفوذ الحرس الوطني، بدأت بالفعل في 9 أبريل 2023، عندما أعلن عن تشكيل ما أسماه "كتيبة المتطوعين" في مدينة "اللد" والتي تبعد 16 كم شرق تل أبيب.

واللد مدينة يقطنها فلسطينيون ومستوطنون، وسعى بن غفير من خلال الكتيبة التي هي نموذج مصغر للحرس الوطني الجديد، إلى ترسيخ هيمنة المستوطنين والبطش بالعرب، كما ذكرت صحيفة "الوفاق" الفلسطينية.

وقالت إن "بن غفير قرر زيادة منح تراخيص حمل الأسلحة الشخصية للإسرائيليين من ألفي رخصة إلى 10 آلاف رخصة شهريا".

وأوضحت أن "الحرس الوطني هو مشروع إسرائيلي خبيث، يستند للمليشيات الرديفة، كجزء من خطة الثنائي الفاشي بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بتسليح كل مستوطن على الأراضي المحتلة". 

وأضافت: "ذلك أمر لا يقلق الفلسطينيين فحسب، بل الإسرائيليين أنفسهم، لأنه يعتبر عبثا ولعبا بالنار، وسيؤدي مع مرور الوقت لزيادة إشعال المدن، وتفاقم المواجهات، ويمكن أن تصطدم العناصر المسلحة بجيش وشرطة الاحتلال، خاصة وأن منهم متطرفين".

يذكر أن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أرادن، أعلن مطلع فبراير/ شباط 2023، أن مليون مستوطن يحملون تراخيص بحمل السلاح.

بن غفير المتطرف 

ولمعرفة مدى خطورة تكوين جهاز مسلح، مثل الحرس الوطني، تحت إمرة الوزير المتطرف بن غفير، لابد من العودة إلى أفكار وأيديولوجية ذلك الشخص. 

فالأفكار المتشددة التي يحملها بن غفير، استقاها من مدرسة الحاخام الصهيوني، مائير كاهانا، مؤسس حركة "كاخ".

وكاهانا، فاز بمقعد في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عام 1984 قبل أن تصنف حركته "إرهابية وفاشية".

وعرفت مدرسة كاهانا باسم "الكهانية"، وهي خليط جمع بين المغالاة القومية والتدين السياسي والممارسات العنيفة.

ووفقا لأفكار حركة "كاخ" و"الكهانية"، آمن بن غفير بفكرة أن "العرب في فلسطين أعداء يجب إخراجهم بالعنف ولا يمكن التعايش معهم أبدا، وأنه على اليهود في أنحاء العالم كافة أن يهاجروا إلى فلسطين، كونها أرض الميعاد المقدسة". 

لكن أفكار الحركة الإرهابية لم تقف عند التنظير، بل راحت إلى التطبيق المفزع عندما ارتكب أحد أعضائها وهو "باروخ غولدشتاين" مذبحة الحرم الإبراهيمي التي راح ضحيتها 29 مصليا في 25 فبراير/شباط 1994.

وعلى إثر هذه المجزرة حظرت إسرائيل نفسها ودول أخرى حركة "كاخ" وعدتها حركة إرهابية.

بينما يصف بن غفير ذلك الإرهابي مرتكب المجزرة أنه "بطل"، واشتهر بوضعه صورة له على جدار منزله.

وفور انتخابه في مارس/آذار 2021 عضوا بالكنيست، صرح بالقول إنه "يجب إزالة أعداء إسرائيل من أرضنا"، في إشارة إلى الفلسطينيين عامة.

لذلك فإن الحرس الوطني الإسرائيلي الجديد، يعد سلاحا مفزعا عندما يقع تحت إمرة وزير يحمل هذه الأفكار متطرفة.