الكوارث ورقة انتخابية.. كيف يؤثر تسييس زلزال تركيا على الانتخابات المقبلة؟ 

إسماعيل يوسف | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يتوقع محللون أتراك وأجانب أن يكون لزلزال تركيا تبعات سياسية، وتأثير كبير في الانتخابات التركية المقبلة المقررة في 14 مايو/أيار 2023، إن لم تؤجل كما يرجح كثيرون بضعة أشهر للانتهاء من أزمات بناء ما تهدم.

زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو سعى فور وقوع الكارثة لتسييسها وأدلى بتصريحات حادة يُحمل فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته مسؤولية ما حصل، وقال إنه لا يريد التواصل معهم بعدما تجاهل الأخير الاتصال به للتشاور.

أردوغان لم يخف تخوفه من استثمار المعارضة الزلزال كعامل انتخابي ضده، وهو ما عكسه رده الغاضب على المنتقدين حين أدان الانتقادات الموجهة إلى جهود الحكومة بسبب أدائها في مواجهة الزلزال.

قال للصحفيين في مدينة هطاي جنوب البلاد 8 فبراير/شباط 2023 إن "هذا وقت للوحدة والتضامن، وفي وقت مثل هذا لا أستطيع تحمل من يقومون بحملات سلبية لمصالح سياسية".

وأضاف أنه ليس من الممكن الاستعداد لمثل هذه الكارثة، لكن الحكومة ستسرع في إزالة الأنقاض وبناء المساكن وتعوض الجميع.

أتراك ووسائل إعلام محلية قالوا إن تحرك أردوغان وحكومته المباشرة مقابل اكتفاء بعض المعارضين بالصيد في الماء العكر وتحميلها مسؤولية كارثة طبيعية، أظهرت أن هناك فارقا بين التنافس في مساعدة الناس، ما سيكون له فوائد سياسية وانتخابية.

وبالمقابل استغلال معارضين الكارثة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، والاكتفاء بالنقد دون مساعدة الناس ما سينعكس على أدائهم في الانتخابات المقبلة.

"تسييس" الزلزال 

كان الزلزال فرصة لجهات معارضة تركية داخلية، وأخرى دولية لتشويه صورة حكم الرئيس التركي قبل الانتخابات الرئاسية وتسجيل نقاط في مرماه، لإثقال حِمله الانتخابي، بجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة التي أثرت على الأتراك. 

كانت مفارقة أن يصرح زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بأنه قدم طلباً رسمياً لزيارة رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" وقت الزلزال، وأبدى غضبه لأنه لم يتلق رداً، في وقت كان الجميع يسارع للإنقاذ.

لاحقا، في 8 فبراير 2023، ألقى كليتشدار أوغلو، وهو رئيس حزب الشعب الجمهوري، باللوم في الدمار الحاصل، على حكم أردوغان الذي استمر عقدين، قائلا إنه لم يهيئ البلاد لكارثة واتهمه بارتكاب أخطاء في إنفاق الأموال.

كما هاجمت شخصيات معارضة مثل المرشح الرئاسي السابق محرم إنجة ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو وزعيمة حزب الجيد ميرال أكشينار، الحكومة التركية وسير عمليات الإنقاذ.

ونشرت وسائل إعلام تركية معارضة العديد من الأخبار التي تُحمل الحكومة مسؤولية وفاة الأتراك تحت الأنقاض، ومزاعم أن أردوغان طلب إشراك مسؤولي المعارضة في الحكومة خلال فترة مواجهة الزلزال لعجزه ولتوريطهم في المسؤولية لكنهم رفضوا.

وزعم موقع ميديا سكوب التركي المعارض أن مقربين من أردوغان حاولوا إقناعه بإشراك المعارضة في الحكم في الفترة التالية من أجل تحمل مسؤولية تبعات الزلزال معه قبل الانتخابات، لكن كليتشدار أوغلو رفض ذلك.

ولم يخل الأمر من مزايدات، فحين أعلنت الحكومة التركية تبكير صرف رواتب الموظفين دون انتظار نهاية الشهر لمساعدة من تضرروا، طالب كمال كليتشدار أوغلو، أردوغان بدفع راتبين على الفور كمكافأة للموظفين العاملين في منطقة الزلزال. 

ونُشر مقطع مصور لرئيس حزب الوطن المعارض محرم إنجة يقول فيه: "أنا الآن في شوارع كهرمان مرعش لا أشاهد الشرطة ولا قوات الإغاثة، لا توجد بطانيات ولا يوجد حتى شوربة ساخنة ولا توجد دولة أصلاً!".

واشتكى بعض السكان في المناطق الأكثر تضررا من عدم وجود عمال طوارئ على الأرض في الساعات الأولى الحاسمة بعد الزلزال، وهي تهمة انتقدها سياسيون معارضون وألقوا باللوم على حكومة أردوغان.

استغلال المعارضة التركية، الزلزال لمهاجمة الرئيس التركي، يبدو أنه كان مبرمجا، إذ انتشر فيديو قديم لمعارض من حزب الشعب الجمهوري يقول: "يجب أن تحدث كارثة طبيعية أو حرائق وفقد كبير للأرواح كي نستطيع التغلب على أردوغان!".

ورد أردوغان على المعارضة التي لعبت على وتر معاناة الشعب قائلا: "هناك من يحاول استغلال المأساة للحصول على مكاسب سياسية لكنني واثق أن الشعب لن يكترث لهم".

وقد بادرت وزارة العدل التركية للتحقيق مع مقاولين ومسؤولين في البلديات المتضررة لعدم تطبيقهم "كود الزلزال" في البناء.

وأكد وزير العدل التركي 9 فبراير 2023 أن النيابة العامة تعمل على ملاحقة المسؤولين عن إقامة مبان مخالفة للمواصفات مما تسبب بانهيارها.

وجرى القبض على مقاول مباني "رينيسانس ريزيدنس" في مطار إسطنبول قبل هروبه لتسببه في وفاة ألف شخص بعد تهدم المباني. واعتقل "يسار جوشكون" الذي كان مسؤولا عن بناء 250 شقة تدمرت وهو يحاول الخروج خارج البلاد.

وقال مسؤولون إن المقاولين ومن تعاون معهم في البلديات والسلطات التنفيذية سيكونون أول المستهدفين، وتوقعوا أن يكون رئيس بلدية هطاي "لطفي سافاش"، أبرز من توجه له المسؤولية.

وكان لافتا أن رئيس هذه البلدية بات وحيدا وتخلى عنه حزبه المعارض (الشعب الجمهوري) بعد الزلزال، بعدما كان يتردد أن حزبه سيرشحه ضد أردوغان في انتخابات الرئاسة، وفق ما نشر الكاتب بصحيفة "صباح" "محمود أوفر" في 8 ديسمبر 2022.

وقد أثار رئيس حزب الشعب الجمهوري أزمة أخرى بتقديم شكوى جنائية ضد وزير النقل كاريسمايل أوغلو ومدير الاتصالات فخر الدين ألتون في 10 فبراير 2023 بدعوى "قطع اتصالات الناس أثناء الزلزال مما تسبب في خسائر بالأرواح".

وكانت خدمة "مراقبة الإنترنت العالمية" Net Blocks قالت في بيان 8 فبراير 2023 إن العديد من مزودي خدمة الإنترنت في تركيا قيدوا الوصول إلى تويتر، في هذا اليوم.

أوضحت أن هذا جرى بعدما اتهمت الحكومة جهات معارضة بتهويل آثار الكارثة ونشر معلومات مغلوطة لترويع الشعب، قبل أن تُعاد الخدمة بصورة طبيعية.

وقالت وكالة أسوشيتد برس الأميركية في 9 فبراير: "استخدم بعض الناجين المحاصرين موقع تويتر لتنبيه رجال الإنقاذ والأقارب، بينما استخدمه آخرون لانتقاد استجابة الحكومة للزلزال".

وكان أردوغان قال إن "أشخاصا غير أمناء" ينشرون "الأكاذيب والافتراءات" بشأن التعامل مع الزلزال. وأكد أنه "ليس من الممكن الاستعداد لمثل هذه الكارثة" خاصة مع تساقط الثلوج وتدمير الزلزال لمطارات.

مع هذا اعترف الرئيس التركي في 10 فبراير 2023 وهو يتفقد المناطق المتضررة بأن "استجابة فرق البحث والإنقاذ للزلازل الهائلة في جنوب البلاد لم تكن بالسرعة التي أرادتها الحكومة".

قال: "على الرغم من أن لدينا أكبر فريق بحث وإنقاذ في العالم في الوقت الحالي، فإن الحقيقة هي أن جهود البحث ليست بالسرعة التي أردناها".

وقبل ذلك بيومين، قال أردوغان إن الاستجابة الأولى كانت بطيئة فور وقوع الزلزال بسبب سوء الأحوال الجوية والطرق المتضررة والمساحة الشاسعة التي أثرت على 10 مقاطعات في البلاد.

فاتورة باهظة 

تقارير أجنبية أشارت إلى أن الزلزال سيكون له فاتورة اقتصادية باهظة تضغط على خطط أردوغان من أجل الخروج من الأزمات الاقتصادية، وهو ما ستستغله المعارضة أيضا في الانتخابات.

وكالة رويترز البريطانية نقلت في 8 فبراير 2023 عن مسؤولين وخبراء اقتصاديين أن الزلزال المدمر سيضيف مليارات الدولارات من الإنفاق إلى ميزانية تركيا، وستخفض النمو الاقتصادي بنقطتين مئويتين هذا العام، إذ إن الحكومة ستضطر لتنفيذ جهود إعادة إعمار ضخمة.

وضرب الزلزال تركيا في وقت أعطت فيه سياسات الحكومة الأولوية للإنتاج والصادرات والاستثمارات من أجل تعزيز النمو الاقتصادي، رغم أن التضخم بلغ أكثر من 57 بالمئة بحلول يناير/كانون الثاني 2023.

ومن المتوقع أن يلحق الزلزال أضرارا بالإنتاج في المناطق المنكوبة التي تمثل 9.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا.

إذ إن الولايات التركية العشرة المتضررة من الزلازل تضم 151 شركة من بين أكبر 500 شركة صناعية في تركيا، بحسب الصحفي التركي "ناغي باكر ".

وقالت وكالة الأنباء الفرنسية 9 فبراير إن الزلزال أدى إلى تشديد الضغط على الرئيس أردوغان قبل ثلاثة أشهر من انتخابات رئاسية وتشريعية كانت تنذر بمنافسة شديدة حتى قبل وقوع الكارثة.

أوضحت أن "أردوغان يتذكر أن قلة كفاءة السلطات عند وقوع آخر زلزال شديد في تركيا العام 1999 هي التي قادت حزبه إلى الانتصار بعد ثلاث سنوات"، لكنها أوضحت أن الرئيس اعترف بوجود ثغرات.

وتعرض رئيس الوزراء آنذاك بولنت أجاويد عام 1999 لانتقادات حادة اتهمته بالفشل في تنظيم عمليات الإغاثة للمنكوبين. 

وقال الصحفي التركي جان دوندار، الذي يعيش في الخارج وحكم عليه غيابيا بالسجن 27 عاما بتهمة التجسس ومساعدة جماعة إرهابية، إن "أردوغان وصل إلى السلطة بعد زلزال 1999 وسيطرده هذا الزلزال الأخير"، بحسب رويترز 9 فبراير 2023.

توقع موقع "ستراتفور" 8 فبراير أن تؤثر الزلازل الضخمة في تركيا على الحملة الانتخابية للبلاد، مما قد يجعل من الصعب على حزب العدالة والتنمية الحاكم الحفاظ على سيطرته على الهيئة التشريعية والرئاسة في الانتخابات المقبلة.

وقالت صحيفة "إندبندنت" البريطانية 10 فبراير إن أردوغان "يواجه غضب شعبه" بسبب طريقة التعامل مع كارثة زلزال تركيا، بحسب مقال للكاتب "بورزو درغاهي" بعنوان "'أين الدولة؟".

وأردف: يواجه أردوغان وحزبه العدالة والتنمية اتهامات من الناجين من الزلزال بأن الإجراءات الرسمية كانت بطيئة وغير متكافئة التوزيع، خاصة في المناطق الموالية سياسيًا لأحزاب المعارضة.

وذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن "الزلزال اختبار لزعامة أردوغان مع اقتراب الانتخابات"، مشيرة إلى أن أحزاب المعارضة التركية وجهت انتقادات بالفعل لإدارة الرئيس للأزمة.

وهو نفس ما قالته شبكة سي إن إن الأميركية في 10 فبراير 2023، مؤكدة بالقول: "قد يعتمد مصير أردوغان السياسي على استجابته للزلزال"، ومحذرة من أنه "قد يؤدي الأمر إلى تغيير المعادلة الانتخابية للرئيس التركي القوي".

ونقلت عن "سنان أولجن، الدبلوماسي التركي السابق ورئيس مؤسسة EDAM ومقرها إسطنبول أن "الزلزال ضرب معاقل أردوغان".

ذكرت أن معظم الأقاليم المنكوبة بالزلزال في جنوب تركيا محافظة اجتماعيا وهي معاقل لحزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية بزعامة أردوغان.

لذلك يتوقع مراقبون أن تسعى المعارضة لتوظيف الكارثة لصالحها في هذه المناطق المنكوبة، والتي هي من مراكز الثقل الانتخابي للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وتوظيف غضبها لصالحها في الانتخابات المقبلة.

لكن خبراء يرون أن أردوغان قد يوطّد موقعه من خلال استجابة ملائمة للكارثة، أو يخسر كل شيء، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

نقلت عن "وولفانغو بيكولي" من مكتب "تينيو" للاستشارات حول المخاطر السياسية ومقره لندن، أن "استجابة فعالة للحالة الطارئة قد تعزز أردوغان وحزبه، من خلال إثارة شعور بالتضامن الوطني بقيادته".

غير أن "إمري كاليسكان" الباحث في مركز السياسة الخارجية ومقره في المملكة المتحدة حذر من أنه إذا أخفق في الاستجابة بعد الزلزال، فقد يخسر إردوغان الانتخابات في مايو 2023". 

لكن الخبراء لفتوا إلى أن أردوغان لا يواجه أي انتقادات قوية من وسائل الإعلام الشعبية التركية، ما يعطيه أفضلية واضحة على المعارضة. 

وقال موقع "إنسايد أوفر" الإيطالي في 6 فبراير 2023 إن التعامل مع زلزال تركيا سيحدد مشهد الانتخابات المقبلة.

أكد أن "الزلزال وما خلفه يشكل اختبارا حقيقيا للرئيس التركي، قد يؤدي إلى تعزيز قيادته للبلاد أو على العكس من ذلك، قد يتسبب في تضاؤل التأييد الذي يحظى به".

عقب الزلزال، أعلن الرئيس التركي في 7 فبراير 2023 حالة طوارئ لمدة ثلاثة أشهر في 10 محافظات في جنوب شرق البلاد، ما يعني امتدادها إلى 7 مايو، أي قبل أسبوع واحد من موعد الانتخابات، ما يرجح معه مراقبون تأجيلها.

في أول مؤشر على أن السلطات قد تفكر في تأجيل الانتخابات، قال مسؤول تركي لوكالة رويترز 9 فبراير 2023 إن حجم المنطقة المدمرة بفعل الزلزال يطرح "صعوبات خطيرة" بالنسبة لإجراء الانتخابات في 14 مايو 2023.

المسؤول التركي قال: "من السابق لأوانه الحديث عن الانتخابات"، لكن المنطقة المتضررة من الزلازل يقطنها حوالي 13 مليون شخص، ومئات الآلاف منهم بحاجة إلى مأوى بعد أن دمرت مبانيهم أو أصبحت غير آمنة، وهو تحد لوجستي صعب.

وعرض الرئيس التركي إجراء انتخابات في 14 مايو 2023، ولو فاز هو وحزبه ذي الجذور الإسلامية سيظل في السلطة حتى 2028.

ولا يعطي هذا التاريخ المعارضة المشرذمة متسعا من الوقت لتسوية الخلافات فيما بينها والاتفاق على مرشح رئاسي.

ولم يُعرف بعد ما إذا كان ذلك الاقتراع سيمضي قدما كما هو مخطط أم لا، لذا فالتأجيل سيكون في صالح المعارضة.