صهاينة المغرب يطلبون امرأة برئاسة الحكومة والإسلاميون ينتفضون.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

تزامنا مع احتدام المنافسة السياسية في المغرب عقب الانتخابات التشريعية التي أجريت في 23 سبتمبر/أيلول 2026، عاد الجدل بشأن تيار "كلنا إسرائيليون" إلى الواجهة، بعد إعلانه دعم حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر الانتخابات.

وأعلن أحمد الشرعي، مؤسس تيار "كلنا إسرائيليون" في المغرب، ومالك إحدى أكبر المؤسسات الإعلامية في البلاد، دعمه لحزب "الجرار" ولعضو قيادته فاطمة الزهراء المنصوري لتولي رئاسة الحكومة.

وقال الشرعي، في مقال نشره موقعه "الأحداث المغربية" بتاريخ 17 سبتمبر: إن موقفه "لا يدعو للاستغراب"، مشيرا إلى أن التعبير عن المواقف السياسية معمول به في كبرى الديمقراطيات، ولا يؤثر، بحسب قوله، على الالتزام المهني للمنابر الإعلامية التي يرأسها.

وأضاف أن حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة المغربية بين عامي 2011 و2021، يحمل مرجعية ورؤية لبناء المجتمع تختلف، حسب وصفه، عن "الأفق الحداثي التنويري المنفتح" الذي تتبناه مجموعته الإعلامية وتدافع عنه.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى صعود قوة سياسية قادرة على الجمع بين النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي والتحديث المجتمعي الشامل، مقدرا أن حزب الأصالة والمعاصرة يمثل، من وجهة نظره، الخيار الأنسب لتحقيق هذا التوجه.

وأضاف أن الحزب يستند إلى ما وصفه بـ"النضال من أجل قيم الحداثة"، والاعتزاز بمكونات الهوية المغربية وتنوعها، ورفض الانغلاق الأيديولوجي، والعمل على معالجة القضايا المجتمعية الملحة، وطرح بديل يقود التغيير في مواجهة التيارات المحافظة.

ويُذكر أن الشرعي يملك مجموعة "غلوبال ميديا هولدينغ" (Global Media Holding)، وهي شركة قابضة تضم عددا من المنابر الإعلامية المغربية، من بينها إذاعة "ميد راديو" (Medi Radio)، وموقع "كيفاش.كوم" الإخباري، وجريدة "الأحداث المغربية" التي يشغل فيها منصب رئيس مجلس الإدارة ومدير النشر.

كما تتبع للمجموعة مجلة "لوبسيرفاتور دو ماروك أند أفريك" (L'Observateur du Maroc et de l'Afrique)، وموقع "لالة مولاتي.ما".

ويشغل الشرعي أيضا عضويات في عدد من الهيئات المهنية، من بينها الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين (ANME)، كما يعمل مستشارا في "معهد أورشليم للإستراتيجية والأمن"، وعضوا في مجلس إدارة "المجلس الأطلسي" في واشنطن.

ردود فعل غاضبة

عدد كبير من الفاعلين والناشطين بالمغرب تفاعلوا ما نشره الشرعي، ومنه الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع عزيز هناوي، والذي قال في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، إن الذي يدعم الشرعي هي "منظمة JISS الصهيونية بقيادة الكولونيل "ليرمان" من تعلن ذلك عن طريق عضو مجلس إدارتها: أحمد الشرعي".

وأشار إلى مؤسسات الشرعي الإعلامية التي تشكل أسطولا إعلاميا خادما للاستبداد واللاديمقراطية، سبق أن ضخ فيها مدير الميزانية فوزي لقجع في 2021 ما يقارب 20 مليار سنتيم -أكثر من 20 مليون دولار- لدعم ما يسمى الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين التي أسسها الشرعي وآخرين.

أما الكاتب الصحفي علي أنوزلا، فقال إن أحمد الشرعي، صاحب مقولة "كلّنا إسرائيليون" غيّر بندقيته من كتف إلى كتف، بالأمس كان عزيز أخنوش وحزبه عنوانا للحداثة، ورجل الأعمال الناجح القادر على بناء الدولة الاجتماعية وقيادة المسيرة التنموية.

واسترسل: "وظل هو ومجموعته الإعلامية يأكلون على مائدته، ويساندونه ويدافعون عن مشروعه حتى مساء 18 سبتمبر 2026".

وتابع: "اليوم، وقد صدرت التعليمات، دارت البوصلة، وأصبح حزب "الأصالة والمعاصرة" هو صاحب "المشروع الحداثي التقدمي"، والقادر على زرع الأمل والثقة وبناء المستقبل.. مروّجا لمرحلة قائد "النضال من أجل قيم الحداثة".

وخلص للقول: "لا بأس، فلكل زمن شمسه، ولكل شمس عُبّادها... ومن طبيعة "عُبّاد الشمس" أن تغيّر وجوهها حيثما اتجهت الشمس".

أما الناشطة الحقوقية والأستاذة الجامعية لطيفة البوحسيني، فكتبت مخاطبة الشرعي: "لا علاقة لحزب "الجرار" بالحداثة ولا بالمعاصرة ولا حتى بالأصالة"، مردفة: "هو في الأصل استئصالي تطور إلى فراقشي وعضو فاعل في كارتيل الريع".

وتابعت في منشور آخر عبر حسابها على فيسبوك: "في انسجام تام بين التصهين والدفاع عن الإثراء غير المشروع، يدعو الشرعي للتصويت على أحد رموز الأوليغرشة، بنت الباشا من البام".

وقالت أيضا: "هناك قضايا حولها إجماع تام معبر عنه بوضوح: السيادة الوطنية، رفض التطبيع ودعم فلسطين، رفض الأوليغرشة ومعها فسادها".

على المستوى الحزبي، جاء الرد الأول على ما ورد في مقال الشرعي على لسان الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله ابن كيران، والذي عبر عن انتقاده الشديد للشرعي، داعيا المواطنين إلى مواجهة كل من يريد صهينة البلد.

وأضاف ابن كيران خلال لقاء حزبي بمدينة تارودانت جنوب البلاد، بتاريخ 19 سبتمبر، "وأما قوله بدعم فاطمة الزهراء لتكون رئيسة للحكومة، فإننا ننتظر أن تقول له ابتعد عني وإلا فإننا سنفهم أنها مرشحة “إسرائيل” لتكون رئيسة حكومة المغرب".

وقال زعيم حزب "المصباح": إن حرب الإبادة على فلسطين في هذه السنوات الأخيرة كشفت بوضوح عن الوجه المتوحش للاحتلال، حيث قتلت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال، وحطمت كل شيء في قطاع غزة، ومع ذلك هناك من قال بكل وقاحة "كلنا إسرائيليون".

واسترسل، أنت وحدك الإسرائيلي والصهيوني، أما نحن فلا، حزبنا رفض ويرفض وسيرفض التطبيع، يؤكد ابن كيران، مشددا أن الاختراق الصهيوني هو اختراق المجتمع والمؤسسات ويجب أن نقف في وجهه بكل قوة.

وسبق لابن كيران أن تحدث في العديد من لقاءاته التنظيمية الداخلية والشعبية عن رفضه وتبرؤه من شعار الشرعي "كلنا إسرائيليون"، داعيا العاملين معه ومن يقربه إلى البراءة من هذا الوصف المخزي والمذل، والذي عواقبه وخيمة، في الدنيا والآخرة.

فضاءات إسرائيلية

في تحليليه لهذا الإعلان، أكد الكاتب والمحلل مصطفى الرشيدي، أنه إعلان يحمل دلالة تتعدى الموقف الشخصي من حزب مشارك في الانتخابات، لأن الشرعي ويتحرك داخل فضاءات سياسية وفكرية أميركية وإسرائيلية معروفة.

أضاف الرشيدي في مقال نشره موقع "دين بريس" بتاريخ 19 سبتمبر، "فالأمر يتعلق بصاحب نفوذ إعلامي له علاقات معلنة بمراكز دولية قريبة من القرار الأميركي والإسرائيلي ويختار إعلان موقفه قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية".

وتابع: “يزيد توقيت المقال من الأسئلة المحيطة به لأنه جاء بعد الإعلان عن اتفاق المغرب وإسرائيل على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وفتح سفارتين وتعيين سفيرين”.

ويرى الرشيدي أن انحياز الشرعي لحزب بعينه يمكن أن يصبح قابلا لأن يقرأ بوصفه اختيارا للتيار الذي يراه أكثر قدرة على حماية اتجاهات المرحلة الجديدة في السياسة الخارجية والاقتصاد والثقافة.

وشدد على أن استعمال الشرعي عبارة "المشروع الحداثي التقدمي" إلى الذاكرة اللغة التي صاحبت ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة وصعوده الأول، حين قدم الحزب باعتباره قوة سياسية قادرة على مواجهة الإسلاميين وإعادة ترتيب المجال الحزبي حول قطب قريب من الدولة.

ورأى أن هذا الخطاب ينقل الانتخابات من التنافس بين برامج اقتصادية واجتماعية إلى مواجهة حول هوية المجتمع واتجاه الدولة، مشددا أن هذا التحول يمنح حزب العدالة والتنمية فرصة انتخابية واضحة، لأن الحزب يستطيع جمع قاعدته حول الدفاع عن الهوية المغربية ورفض التطبيع ومواجهة نفوذ المال والإعلام.

بدوره، نشر موقع "زون24" المحلي مقالا بتاريخ 18 سبتمبر، رأى فيه أن الشرعي لم يكتفِ بالتعبير عن موقف شخصي من الانتخابات، بل ذهب أبعد من ذلك حين اختار أن يضع ثقله الإعلامي خلف حزب الأصالة والمعاصرة، وأن يتحدث عن إمكانية تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المقبلة.

وتابع: “وكأن المغاربة لم يعد أمامهم سوى انتظار ما ستقوله صناديق الاقتراع بشأن خيار سبق أن جرى تحديده في مقال صحفي، وهنا تحديدا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل الشرعي: إذا كان 23 سبتمبر هو يوم الحسم، وإذا كان المغاربة هم من سيختارون ممثليهم في البرلمان، فمن أين تأتي هذه الثقة في الحديث عن رئيس الحكومة المقبلة قبل أن يدلي المواطنون بأصواتهم؟”

وشدد الموقع على أن "المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاختيار الشخصي إلى خطاب يوحي بأن نتيجة الانتخابات يمكن أن تُستبق، أو أن هناك خيارات سياسية تحظى بشرعية خاصة قبل أن تمنحها صناديق الاقتراع".

واسترسل: الأكثر إشكالا هو محاولة ربط هذا الاختيار بما يمكن أن يفهم منه أنه رغبة ملكية، أو الاحتماء، بشكل مباشر أو غير مباشر، بعبارة "سيدنا يريد". هذه الطريقة في تقديم الاختيارات السياسية ليست فقط غير مقنعة، بل تسيء إلى النقاش الديمقراطي نفسه".

ونبه الموقع إلى أن "الملك محمد السادس ليس رئيس حزب، والمؤسسة الملكية ليست طرفا في المنافسة الانتخابية"، مقدرا أن "تحويل أي موقف حزبي إلى ما يشبه "اختيارا ملكيا" أمر مرفوض، وأنه لا أحد يملك حق الحديث باسم المؤسسة الملكية، ولا يجوز استعمال صورة الملك أو مكانته لتقوية موقف انتخابي لهذا الحزب أو ذاك".

استهداف للإسلاميين

في قراءته لمقال الشرعي، قال المحلل والناشط السياسي حسن حمورو، إن إعلان الشرعي، وهو رئيس مجموعة إعلامية متعددة المنابر، معروف بعدائه الصريح لحزب العدالة والتنمية، عن دعم حزب الأصالة والمعاصرة، أو لنقل جزء من الأصالة والمعاصرة، هو حدث لافت بشدة.

وذكر حمورو لـ "الاستقلال" أنه، وبغض النظر عن حق أي مواطن أو فاعل إعلامي أو غيره في دعم أي حزب، إلا أن هذا الإعلان يستهدف بدون شك مسيرة حزب العدالة والتنمية، والهدف هو تشتيت تركيز قيادة الحزب، وتغيير بوصلة خطابها".

ونبه إلى أن "السياسة لا تُفهم بالنوايا فقط، وإنما كذلك بتزامن الأحداث وسياقاتها، لذلك يمكن القول إن الاستثمار في إعلان الارتقاء بالعلاقات بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى تبادل السفراء ورفع التمثيل الدبلوماسي، هدفه هو محاولة حرمان حزب العدالة والتنمية من ورقة انتخابية حسب تصنيف خصومه، تتعلق بمناهضة التطبيع".

وأردف، وكذا "محاولة تغيير المزاج الانتخابي في اتجاه إحداث فتور وسط الكتلة الانتخابية التي تجعل مناهضة التطبيع معيارا من معايير التصويت لصالح حزب المصباح".

وتابع: "يمكن القول كذلك إن إعلان دعم مجموعة الشرعي لحزب البام، هدفه هو تشتيت تركيز الخطاب الانتخابي للعدالة والتنمية، في اتجاه تخفيف الضغط على رئيس الحكومة عزيز أخنوش أساسا، والتقليل من العائد الانتخابي المحتمل للتقييم الشعبي السلبي لحصيلة الحكومة، على عدد المقاعد التي يحققها العدالة والتنمية".

وشدد حمورو أن العدالة والتنمية نجح في جعل هذه الحصيلة في صلب النقاش الانتخابي، وبرز أن خطابه التراكمي صنع مزاجا عاما مساندا له، ومتجها لتصويت عقابي على الحكومة بأحزابها الثلاث، وفق ما يقتضيه منطق الديمقراطية.