محمد باقر قاليباف.. رئيس برلمان الحرب في إيران ونافذة واشنطن للتفاوض

محمد باقر قاليباف بنى صورته على كونه قادرًا على الإدارة والمناورة
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في طهران، عاد اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الواجهة، ليس بوصفه أحد أكثر قادة إيران تشددًا، بل بوصفه قناة تواصل محتملة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبات قاليباف أحد أعمدة السلطة في البلاد، لا سيما بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة البارزين، إلى حد أن وسائل إعلام عبرية وغربية كشفت عن توليه قيادة المحادثات مع إدارة ترامب، في مسعى لتهدئة الأوضاع وإنهاء الحرب.

من الحرس إلى البرلمان
ولد محمد باقر قاليباف عام 1961 في مدينة طرقبه شرق إيران، ونشأ في أسرة متواضعة بعيدة عن المؤسسة الدينية.
مع اندلاع الحرب العراقية‑الإيرانية عام 1980، التحق بالحرس الثوري في سن مبكرة، فترقى خلال ثلاث سنوات إلى رتبة جنرال وتولى لاحقًا قيادة قوات الطيران التابعة للحرس.
خلال السنوات التي أعقبت الحرب، قاد ذراع البناء في الحرس، ثم أصبح قائدًا لسلاح الجو، ما منحه خبرة أمنية وإدارية واسعة شكلت شخصيته، فهو يحمل عقلية عسكرية لكنه أيضًا تعلم إدارة مشاريع ضخمة، ما جعله مؤهلًا للعب أدوار مدنية لاحقة.
فشارك قاليباف في قمع احتجاجات الطلبة عام 1999، ووقع مع قادة آخرين رسالة إلى الرئيس الإصلاحي وقتها محمد خاتمي تحذره من أنهم سيتدخلون لإخماد الاحتجاجات إذا لم يفعل.
وبعد ذلك عُيِّن قائدًا للشرطة الوطنية حيث اتسم سلوكه بالازدواجية، فقد أمر قواته بإطلاق النار على المتظاهرين عام 2002، لكنه في الوقت نفسه أطلق برنامجًا لتحديث الشرطة وتحسين مظهرها وخدماتها.
هذه الازدواجية بين الحزم والقابلية للإصلاح لازمته لاحقًا وفسرت سبب وصفه بأنه “متشدد براغماتي”. وعام 2005 ترشح قاليباف للانتخابات الرئاسية، لكنه خسر أمام محمود أحمدي نجاد.
وعاد للواجهة عندما عُيِّن رئيسًا لبلدية طهران بعدما أُقصي أحمدي نجاد من منصبه، وظل في هذا المنصب حتى 2017.
لم تخل سنوات رئاسته للبلدية من اتهامات بالفساد، بما في ذلك منح زوجته أموالًا من موازنة البلدية كما ذكرت مصادر إعلامية مستقلة.
بعد خوضه ثلاثة انتخابات رئاسية أخرى (2013 و2017 و2024) دون نجاح، عاد إلى البرلمان وترأس مجلس الشورى في 2020، وبقي فيه حتى اليوم.
تتويجه بهذه المناصب المتنوعة – من قائد عسكري إلى شرطي إلى رئيس بلدية ثم رئيس برلمان – جعله حلقة وصل نادرة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
أهم ما يميزه عن شخصيات مثل أمين مجلس الأمن القومي السابق علي لاريجاني أو الأمين الأسبق لنفس المجلس سعيد جليلي هو مزيجه بين الصلابة والبراغماتية.
فعلى سبيل المثال، وصف لاريجاني دائمًا بأنه تكنوقراط معتدل قريب من المؤسسة الدينية، فيما عُرف جليلي بتشدده العقائدي.
أما قاليباف فقد بنى صورته على كونه قادرًا على الإدارة والمناورة، حتى إن بعض الدبلوماسيين الغربيين رأوا فيه شخصية “قابلة للاستخدام” داخل النظام وخارجه.

لماذا عاد اسمه؟
بدأ اسم قاليباف يطفو على السطح بعد الحرب الإسرائيلية‑الأميركية التي اغتيل فيها المرشد علي خامنئي وعددًا من القادة البارزين.
فقد وجد النظام نفسه أمام فراغ قيادي وبرز قاليباف، بصفته رئيس البرلمان وجنرالًا سابقًا، صوتًا صاخبًا يهدد بالثأر ويعد بعمليات مؤلمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
في أحد خطاباته بالبرلمان، خاطب دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلًا: “لقد داسا خطنا الأحمر وعليهما أن يدفعا الثمن”.
وفي منشور آخر على منصة “إكس” هدد الشركات التي تشتري سندات الخزانة الأميركية قائلاً إنها “مغموسة بدماء الإيرانيين، ومن يشترها يشتر ضربة على مقره وممتلكاته”، في خطاب عزز صورته كرجل حرب ورفع من أسهمه لدى التيار المتشدد.
بالتوازي مع التصعيد، ظهرت في وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية ادعاءات بأن قاليباف يؤدي دور قناة خلفية للتفاوض مع إدارة ترامب.
إذ نسبت وكالة رويترز إلى مسؤول إسرائيلي ومصدر آخر أن قاليباف يفاوض باسم إيران، كما ذكرت مجلة بوليتيكو الأميركية أن بعض أعضاء إدارة ترامب يرونه شخصية يمكن التفاهم معها وقد تقود إيران مستقبلًا.
القناة الـ 12 الإسرائيلية ادعت أن طهران مستعدة لتقديم “تنازلات كبيرة جدًا” في ملفها النووي وإن تسريبات المفاوضات تهدف إلى خلق انقسامات داخل النظام.
هذه التسريبات أُشعلت في الأسبوع الذي هدّد فيه ترامب بضرب البنية التحتية الإيرانية ومحطات الكهرباء ثم تراجع مؤقتًا، ما جعل التكهنات حول وساطة ما تتصاعد.
لكن قاليباف نفسه سارع إلى نفي هذه الروايات، ففي 23 مارس/آذار كتب على حسابه في “إكس”: “لا مفاوضات مع الولايات المتحدة، والأخبار الملفقة تُستخدم للتلاعب بالأسواق المالية والنفطية والهرب من الوحل الذي علقت فيه أميركا وإسرائيل”.
وكالة أنباء تسنيم المقربة من الحرس الثوري وصفت هذه التسريبات بأنها “قنبلة سياسية” الهدف منها إرباك القيادة وتشويه صورة رئيس البرلمان.
بل إن الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال: إن الرسائل الوحيدة التي تبادلتها طهران مع واشنطن نُقلت عبر دول صديقة، وأنه لا مفاوضات مباشرة في ظل الحرب.
من جهته ذكّر قاليباف في مقابلات أن الشعب الإيراني يطالب بمعاقبة المعتدين، وأن أي حديث عن هدنة أو تفاوض قبل الثأر يعد خيانة.
وفي ظل تضارب الحديث عن وجود محادثات فعلية، يمنح وجود قاليباف على رأس البرلمان مساحة للمناورة، إذ إن قربه من الحرس الثوري يجعله مقبولًا لدى المتشددين، بينما تاريخه في إدارة بلدية طهران وعلاقته بمنتديات دولية منحاه مساحة للتواصل مع الغرب.

ماذا يكشف صعوده؟
يظهر صعود قاليباف في لحظة اغتيال قيادات إيرانية بارزة على أنه انعكاس لتحول أعمق في بنية السلطة.
فمنذ تولي مجتبى خامنئي نجل المرشد السابق نفس المنصب، دفع الحرس الثوري باتجاه تعزيز دوره في المؤسسات السياسية، ففرض شخصية مقربة مثل قاليباف في مركز الصدارة.
التكوين الشخصي لقاليباف – عسكري مخضرم ومدير تنفيذي ومشرّع – جعله مناسبًا لهذا الدور، فهو قادر على مخاطبة المتشددين بلغة الحرب وعلى طمأنة البيروقراطيين بقدرته على إدارة مؤسسات مدنية.
الباحث الإداري في معهد جنيف للدراسات العليا فرزان صابت، رجح لوكالة الأنباء الفرنسية أن قاليباف “يشرف على مجمل المجهود الحربي الإيراني” بفضل علاقاته المتنوعة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية، وهو رأي يتقاطع مع تحليلات غربية تعده “حلقة وصل” بين مكتب المرشد والبرلمان والحرس.
مع ذلك، لا يعني بروزه أنه يمسك بمفاتيح السلطة منفردًا، إذ تشير تقديرات غربية إلى أن القيادة الإيرانية باتت موزعة بين مراكز متعددة – الحرس الثوري، مجلس الشورى، مكتب المرشد، والرئاسة – في ظل غياب شخصيات بحجم خامنئي أو قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.
ولذلك فإن تقديم قاليباف كـ"رجل المرحلة" قد يكون مبالغة، فمن جهة، هو ليس في موقع اتخاذ القرارات الإستراتيجية النهائية، التي تظل في يد المرشد الجديد ومجلس الأمن القومي.
ومن جهة أخرى، يُستخدم صعوده لتقليل الضبابية وتوجيه رسالة للعالم أن النظام يملك قيادة يمكنها إدارة الحرب والتفاوض إذا أرادت، وفق ما تقول الخدمة الإخبارية التابعة للتلفزيون العام الأميركي “PBS”.
لكن هذا الصعود يكشف أيضًا عسكرة السياسة؛ إذ أصبح رئيس البرلمان، وهو جنرال سابق، الصوت الأبرز في تهديدات الحرب وتحديد معايير الرد.
وهو ما يطرح سؤالًا عما إذا كانت إيران تتجه إلى نموذجٍ تصبح فيه مؤسسات الدولة المدنية واجهات لقرارات عسكرية، أم أنها مجرد مرحلة انتقالية يعود بعدها التوازن بين المدني والعسكري.
ولا تخلو صورة قاليباف “البراغماتي” من جدل، فهو متهم بقضايا فساد خلال رئاسته لبلدية طهران، كما أن سجله في قمع الاحتجاجات يثير شكوكًا حول إمكانية قبوله كشريك تفاوضي في الغرب.
وفي حين يرى بعض الدبلوماسيين أنه شخصية “قابلة للاستخدام”، يحذر آخرون من خلط البراغماتية بالانتهازية، إذ إن نجاته من الانقسامات الداخلية واعتماده على دعم مجتبى خامنئي قد يجعله مجرد واجهة تُستبدل بأخرى عند الضرورة، بحسب "PBS".
المصادر
- Iran's parliament speaker Qalibaf increasingly central in Tehran
- Iran's parliamentary speaker Qalibaf floated as possible U.S. contact in talks as war rages on
- IRGC outlet denies Ghalibaf's talks with US, calls it plot to sow division
- Iran’s Ghalibaf denies any negotiations with the US
- Qalibaf Rejects Ceasefire, Highlights Iran’s Strong Response to Aggression
- Ghalibaf: Iran’s New Strongman Running War Effort

















